نحو حركة إسلامية راشدة

كتبها محمد المصري ، في 28 أكتوبر 2007 الساعة: 10:58 ص

نحو حركة  إسلامية راشدة "دعوة وبُنيان"

بقلم الدكتور/محمد  محمد بدري

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلي الله عليه وسلم وبعد:

إن الإنسان المسلم، والأسرة المسلمة، والأمة الإسلامية، والبشرية التائهة.. كلهم جميعًا أحوج ما يكونون إلى حركة إسلامية راشدة تُعيد للحياة معناها وقيمتها، وللإنسان حريته وكرامته، وللبشرية الهداية والسلام..
حركة إسلامية تستطيع أن:
- تفهم حقيقة دورها وخطورته تجاه نفسها وتجاه البشرية.
- تستوعب حجم المسؤولية التي تواجهها، وقدر التضحيات التي ستبذلها.
- تدرك أهداف الرسالة الإسلامية، وكيفية تحقيقها على النهج الرباني.
- تعرف وتحقق سنن الله تعالى في الاجتماع البشري.
- تُحدد ـ عن معرفة دقيقة ـ من هو عدوها المتربص بها، ويكيد لها.
- تستعد لمواجهة كل التحديات عن يقين في رحمة الله ونصره ووعده.
- تُوفي أمانة الدعوة، وتحترم صدق الكلمة.. وتشعر الحياة فاعليتها.
- ترتفع إلى مستوى الأزمة التي تعيشها الأمة، والمشكلات التي تعصف بالبشرية.
وللأسف، لم يُكتب بعدُ ميلاد لمثل هذه الحركة الإسلامية بتلك الموصفات.. نعم، كانت هناك ـ ومازال ـ جهود على مستوى الأفراد، وأحيانًا ـ قليلة ـ على مستوى الجماعات تُدندن حول هذه المفاهيم إلا أنها لم تتحول بعد إلى حياة متكاملة متناسقة..
فعلى مستوى الأفراد: هناك جهود تحاول أن تراجع وتستوعب عمق المأزق التاريخي الذي نعيشه، إلا أنها تظل في محيط الأفراد، ولم تخرج بعد إلى الحياة داخل "محضن إنساني" بكل أبعاده وتكوينه وخصائصه.
وعلى مستوى الجماعات: فلقد ابتلعت الأجهزة الأمنية في بلادنا أكثر الحركات التي وُلدت إسلامية وحولتها إلى أداة تستخدمها لتثبيت دعائم الظلم والطغيان، واستخدمتها وسادة آمنة تحيطها من كل جانب ضد أي حركة فكرية كانت أو واقعية تحاول مقاومة هذا الظلم والطغيان. بل وأخذ الأمر صورة عالمية لهذه المواجهة ـ وهو كذلك من أول يوم ـ وأصبح ظاهرًا لكل ذي عقل..
فأصبحت أكثر الحركات الإسلامية.. تحت خط الفاعلية، ودون أي عمل حقيقي ينقذ الأمة !!..
ومن ثم فقد تحولت تدريجيًا من حركات تدعو إلى سبيل الله وصراطه المستقيم، إلى حركات تصد عن سبيل الله.. لما تقوم به من تأويل لآيات الله في محاولة تبرير وجودها الواقعي.. حتى التبس على الناس أمر دينهم!!.
وهذا أمر ليس بجديد على التاريخ والبشرية.. بل هو مفصل ومحكم في كتاب هذه الدعوة "القرآن الكريم" وما دين النصارى منا ببعيد..
فإن أي حركة تقوم باسم الله، وباسم شريعته لمقاومة الظالمين والطغاة، دون أن تدرك عمق أهدافها، وعظيم مسؤوليتها، وقدر التضحيات التي ستواجهها، وسنن قيام هذه الدعوات، وتحافظ على حيويتها اللازمة طوال هذه الرحلة؛ حتى تصل إلى الجنة التي وعدها من يحملون منهج هذه الدعوة.. فإنها لا تلبث أن يساومها أهل الباطل أصحاب السلطان والمال على دعوتها..
يساومونها من خلال دراسات عميقة، ومعرفة يقينية بخطورة منهج الحياة الرباني لهذه الدعوة الذي يهدد مصالحهم ووجودهم ، بل لقد أصبح
لمنهج المساومة هذا، هيئات ومؤسسات ترسم شكل المساومة وحدودها حسب طبيعة الزمان والمكان، وحجم الدعوة ودرجة فاعليتها.
وهي في البداية
مساومة، تتحول فيما بعد إلى احتواء، ثم ابتلاع، ثم موت.. ثم صد عن سبيل الله!!.
{ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتُبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمنًا قليلا فبئس ما يشترون }{لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم }
{ وقل إني أنا النذير المبين. كما أنزلنا على المقتسمين. الذين جعلوا القرآن عضين. فوربك لنسألنهم أجمعين. عما كانوا يعملون. فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين }.

ومن هنا فقد مسّت الحاجة إلى حركة إسلامية راشدة ، تتحرك في عملها في مجالين :
الأول:
هو الدعوة العامة، والبيان التام، والشرح التفصيلي.. للدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، ومقارنة هذا الدين بكل الأديان الأخرى في جميع المجالات الحياتية ( اجتماعية وأسرية ـ سياسية "حكم" ـ اقتصادية "مال" ـ خارجية "ولاء ونصرة" ـ جهادية "الفتوحات والسلام العالمي" ).
وفي هذه الدعوة العامة: يجب مراعاة واقع البشرية العالمي، وما ألفته هذه البشرية من دين الآباء، وما فرضه الواقع من مسلمات، وما دان الناس به من أعراف وتقاليد ومقدسات، وما وضعوه على أنفسهم ما أصار وأغلال..
والهدف من هذا المجال: هو زلزلة الركام الذي يغشى العقول، وإنعاش القلوب التي تحجرت.
دعوة: ترفع من مستوى وعي الناس بهذا الدين.
دعوة: ترفع من قيمة الحياة والإنسان، وتعرّفه حقيقة حياته، وقيمة وجوده.
دعوة: تُعرفه إلى الله، وإلى منهج الله الذي شرّعه لهذه الحياة.
دعوة
: تصالحه مع نفسه، ومع الوجود من حوله.
دعوة: تأخذ بيديه ـ في حب ورفق وحنان واهتمام،لتهديه إلى صراط الله المستقيم ، ودينه القويم ، وحقه المبين .
ومجال العمل هو:
العقول والقلوب والأرواح.
وعلى رجال هذه الدعوة، أن يستخدموا كل وسائل التأثير، وتحقيق ما يستطيعون من سننها.. لرفع هذه العقول إلى مستوى الإنسانية، وهداية هذه القلوب إلى الله، وتعلق هذه الأرواح ببارئها.
والحذر كل الحذر أن يقعوا فيما وقع فيه السابقون.. أن يخرجوا عن دائرة الفاعلية، فيعشوا في الفراغ.. ويخدروا الناس، وليعلموا دقة ما يستخدمونه من كلمات.. وليتأكدوا في كل مرة يتحدثون فيها إلى الناس أنهم يرفعون من وعيهم بعلم وبثقافة إسلامية راشدة، وليعلموا أن طرق التأثير، وشكل الكلمات تتغير بتغير الأزمان، فلكل زمان لغته ـ التي يستوعبها الناس ـ ولكل مكان مقاله.. فما يكون من موضوعات بصياغة ما مناسب اليوم، قد تكون صياغته غير مناسبة غدًا، رغم أن المضمون والهدف لا يتغيران.
وليحذروا: أن يُغرر بهم بزجهم عمدًا في قضايا ليست من أهدافهم، ولا تخدم الدين، وليس عليهم فقط بيان آيات الله، ولكن معرفة أين يقع هذا البيان، وكيف يستقبله الناس.. فليس فقط بيان آيات الله، ولكن كذلك بيان الواقع الذي يعيش فيه هذا البيان..
وألا ينغمسوا في مشكلات واقعية.. تختلط فيها شريعة الله وشريعة المجتمع وأعرافه وتقاليده، لأنها تعني فقط حالة من المجادلة واللجاج الذي لا ينتهي إلى لا شيء.. !!
فالمشكلات الواقعية، ناشئة من الابتعاد عن منهج الله في مجموعها، والحيرة واللجاج والتذبذب ناشئ عن محاولة إشراك بعض شرعه سبحانه بشريعة المجتمع وعرفه وحكمه في هيئة فكرية أو واقعية واحدة. وشرع الله وحدة متكاملة متناسقة تشد بعضها بعضًا، ولا يمكن تناولها أجزاء وتفاريقاً.
وليعلموا: أن حياتهم ومستوى فاعليتهم.. عندما يكونون دائما ـ بفكرهم وعملهم وواقعهم ـ في الجهة المقابلة للظلم والطغيان.. لا تلتقي معه ولا تساومه ولا تشاركه في شيء على طول الطريق.
وأما المجال الثاني:
"المحضن الإنساني" ثم "الكيان المستقل" ثم "بنيان التقوى" ثم "أمة دون الناس" ثم.. "مجتمع إسلامي"
وهي مسميات لمضمون ثابت هو:
"الجسد الواحد" للمجموعة الإنسانية المحققة والمريدة لدين محمد صلى الله عليه وسلم.. هو البناء الذي تكون.. عقيدته واحدة.. قيمه وموازينه واحدة.. أهدافه واحدة.. آلامه واحدة.. أماله واحدة.. يفنى فيه الفرد من أجل الجماعة، وتفنى فيه الجماعة من أجل الفرد.
ومجال العمل هنا: هو آليات البناء للجماعة الإنسانية الحية، المعلومة الأفراد، والإمكانيات، والقدرات.. أي عملية بناء واقعية، تحقق مبادئ الدعوة التي ترسم مبادئ الحياة كلها.. وتنتقل بالدعوة من مجال العقول والقلوب والأرواح إلى عالم الواقع الحي.. تنتقل بقوة اجتماعية تُحصن مبادئ الدعوة وأهدافها من الهجوم والاحتواء والذوبان في المجتمعات الأخرى.
وآلية العمل: يُحددها واقع الأفراد.. والذي يختلف من حال إلى آخر، وليس ذات قالب ثابت، إلا أن روحه وعقيدته وشرعته ومنهجه واحدة ، ولنا في بناء الجماعة المسلمة الأولى قدوة ونورًا ترسم لنا الخطوط العريضة لما يجب انتهاجه.
ولابد هنا من التأكيد على: إن هؤلاء الأفراد مثل غيرهم في سنن الاجتماع البشري، فمن يحقق هذه السنن ويُضحي من أجلها هو الذي ينشئ في النهاية كياناً ومجتمعاً ،!!
ولتقريب هذه الفكرة أكثر نقول أننا نعتبر نشأة هذا الكيان الاجتماعي ولسهولة الفهم مشروعًا استثماريًا ضخمًا.. لابد فيه من بذل الأموال والأنفس،ولابد مع ذلك من إدارة ناجحة، ونظام دقيق.. حتى يخرج من بين الفتات الآدمي .. إنسانًا مسلمًا ربانيًا يستطيع أن يحمل الرسالة الربانية، ويقيم الحق والعدل الرباني في الأرض لكل كائن حيّ فيها .. ليكمل طريقه نحو الجنة .
ولابد من الحذر هنا : من
الانزلاق إلى هاوية "تكفير المجتمعات، وما يتبعها من قضايا" !!.. فإن هذا الانزلاق يُضيّع الجهود ، ويُخرج أفراد هذا الكيان الإنساني عن طريق البناء ، ليدخلهم في دائرة مفرغة من الجدل والأبحاث والأوراق التي لا تنتهي!!..
وليعلم أفراد هذا الكيان الاجتماعي المستقل أن "
الأمر أمر دعوة لا قضاء" و"أمر بناء وإصلاح لا هدم وتدمير".. ولكنه في ذات الوقت ..
- خروج على تقاليد وأعراف المجتمع، التي تخالف شريعة الله تعالى.
- خروج على التخلف والتبعية في كل مجالات الحياة التي تخالف منهج الله تعالى.
- خروج من النفق المظلم الذي تترنح فيه الأمة منذ عصور طويلة، وأزمنة مديدة.
- هو خروج من عبودية الأوضاع والأشياء والعباد، إلى الحرية والكرامة والإنسانية.. تحت ظل شريعة الله.
ولذلك ، فإنه من الضروري في مرحلة البناء من التحرر من كل عرف وتقاليد تتعارف عليها هذه المجتمعات إن كانت تخالف شريعة الله ، فمن يرد البناء الراقي لا ينشغل بما حاوله من مباني شائخة شائهة متهالكة.. و لا يشغل نفسه بكيفية ترميم هذه المباني المتهالكة.. إنها لا تصلح للترميم، فالأساسات مدمرة.. والبنيان على شفا جرفٍ هارٍ!.
إنه يدرك أن ما يحاوله هو صياغة جديدة للحياة.. وللإنسان الذي يريد الحياة الراقية الإنسانية الربانية.. إنها صياغة تربوية وتعليمية وفكرية ونفسية وسياسية واقتصادية .. الخ.. مستمدة كلها من منهج الله تعالى في الحياة، وبقدر ما يلزم هذه الجماعة، ودرجة نموها.
وختاماً .. لا بد أن يدرك من يقومون بهذه المحاولة : أن الطريق طويل، بطئ.. تتسلّمه أجيال تلو أجيال، حتى يعود البناء كما صنعه محمد صلى الله عليه وسلم.. أمة ربانية عالمية، تكون منارة للبشرية جمعاء.. أمة تستحق مدح رب الأرض والسموات : { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله.. }.
وليسشعروا وعد الله سبحانه:
{ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات، ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا.. }..
{ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون. إن في هذا لبلاغًا لقوم عابدين. وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين }.
{ والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون }

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : فى المنهج | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر