الولاء والبراء

أغسطس 2nd, 2007 كتبها  محمد المصري نشر في , أبحاث

الولاء والبراء في نفس الداعية

عبد العزيز الجليل

إن المتأمل في كتاب الله - عز وجل - وفـي واقــــع الدعوة إلى الله - عز وجل - يرى أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين الدعوة إلى الله - تعالى - والجـهـــــاد في سبيله وبين عقيدة الولاء والبراء في نفس الداعية .

فـكـلـما قوي شأن الدعوة وقوي شأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الداعية المخلص لربه كـلـمـــا قويت هذه العقيدة في نفسه، وظهرت بشكل واضح في حياته ومواقفه ومحبته وعداوته حتى يصبح على استعداد لأن يهجر وطنه وأهله وماله إذا اقتضى الأمر ذلك؛ بل إن هذه العقيدة -أعني عقيدة الولاء والبراء - لتبلغ ذورة السنام في قلب الداعية وتنـعـكس على مواقفه، وذلك في جهاد أعداء الله ولو كانوا أقرب قريب ؛ قــال الله - تعـالـى -: ((والْمُؤْمِنُونَ والْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ويَنْهَـــوْنَ عَنِ المُنكَرِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ويُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ عَــزِيــزٌ حَكِيمٌ)) [التوبة: 71].

وقال - تعالى - : ((إن الذين امإنَّ الَذِينَ آمَنُوا وهَاجَرُوا وجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وأَنفُسـِـهِـــمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوا ونَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَو

المزيد


في المنهج

يوليو 25th, 2007 كتبها  محمد المصري نشر في , أبحاث

هويـة الأمـة الإسلاميـة

محمد محمد بدري

لكل أمة من الأمم (ثوابت) تمـثـل الـقـاعـدة الأساسية لبناء الأمة . وفي طليعة هذه الثوابت تأتي (الهوية) باعتبارها المحور الذي تتمركز حوله بقية الثوابت ، والذي يستقطب حوله أفراد الأمة . ولا تستحق أمة من الأمم وصـف (الأمــة) حتى تكــون لـهـا هـويتها المستقلة والمتميزة عن غيرها من الأمم . وإذن فالأمة بنيان يتجمع فيه الأفراد حول (هويـة) ثابتة ، تكون هي الصبغة التي تصبغ الأمة ، وتحدد سلوك أفرادها ، وتكيف ردود أفـعالهم تجاه الأحداث ، ولا شك أنه كلما شعر أفراد الأمة بهويتهم ، كلما تعمق انتماؤهم إلـى أمتهم ، وتأكد الولاء بينهم ، وتيسر تعاونهم في سبيل حمل رسالة الأمة والدفاع عنها أمام هجمات الأمم الأخرى .

كما أنه من البديهي أيضاً ، أن الأمة إذا فقدت (هويتها)، فقدت معها استقلالها وتميزها، وفـقـدت بالتالي كل شيء لأنها تصبح بلا محتوى فكري أو رصيد حضاري، فتتفكك أواصر الولاء بين الأفراد، وتنهار شبكة العلاقات الاجتماعية في الأمة، وتموت الأمة،بل وتنبعث مـنها روائح الموت التي تجذب برابرة الأمم كما تجذب جثة الثور الميت صغار الـوحــوش لتنهش لحمه وتقطع أوصاله ، مع أنها كانت في حياته تمتلئ رعباً من منظره !!

وهذا ما يحدث للأمة في ظل فقدان الهوية.. حيث السقوط الحضاري.. وتداعي الأمم . فـإذا أراد أحد إحياء هذه الأمة (الميتة) ، فإنه لا سبيل أمامه إلا أن يكشف عن هوية هذه الأمة ، ويجلي أبعاد خصوصيتها بين الأمم ، ليساعد ذلك في الدفع النفسي والشعوري إلى إحياء مجد الأمة التليد ، والمساهمة الفعالة في السبق الحضاري من جديد .

هوية الأمة الإسلامية

ليس تحديد (الهوية) ترفاً فكرياً ، أو جدلاً فلسفياً بل هو أمر جاد يتعلق - بل يقرر - طبيعة الصراع المصيري للأمة مع أعدائها "إذ أن الإنسان لا يستطيع أن يحدد موقفه من غيره ، قبل أن يحدد موقفه من نفسه : من هو ؟ ومن يكون ؟ وماذا يريد ؟ وبدون هذا الحسم (للهوية) الذاتية ، لا يمكن تحديد أي موقف فعال من أي قضية من قضايا المصير والتقدم والحياة الكريمة"(1) ولذلك لا بد أن نسأل أنفسنا : من نحن ؟ وما هي هويتنا بالتحديد ؟.. فإذا حددنا هويتنا ، انتقلنا على ضوء ذلك إلى تحديد ماذا نريد ؟.. ومن ثم كيف السبيل ؟ وإذن فتحديد الهوية يعرفنا بأهدافنا التي نريدها ، والأسلوب الذي نتوصل به إلى هذه الأهداف..

فما هي هويتنا ؟

لا شك أن هويتنا الأصيلة هي الإسلام ، وأن "الإسلام (كانتماء) هو القاسم المشترك الوحيد لأمة متكاملة كبرى ، ولا شيء غيره… وإذا ما نحينا الإسلام جانباً ، فمن المستحيل أن نجد قاسماً مشتركاً آخر نتفق عليه وتلتقي عنده الأمة الإسلامية ، فلا الأرض ولا اللغة ولا التاريخ يمكن أن تكون القاسم المشترك لأمتنا ، وذلك لأن الأرض واللغة والتاريخ تعتبر امتداداً للإسلام"(2) الذي هو الهوية الراسخة في نفوس أفراد الأمة ، والتي تهدي رؤيتهم إلى مختلف القضايا ، وتعطيهم الوعي الصحيح والرؤية الواضحة والزاد الحقيقي في مواجهة أعداء الأمة الإسلامية .

.. وهذه هي عبرة التاريخ ، ودرس الواقع في الأمة الإسلامية ؟!

فأمّا إنها عبرة التاريخ : "فإن العالم الإسلامي كان أمة واحدة تظلله راية لا إله إلا الله محمد رسول الله.. وكان المسلم يخرج من طنجة حتى ينتهي به المقام في بغداد لا يحمل معه جنسية قومية أو هوية وطنية ، وإنما يحمل شعاراً إسلامياً هو كلمة التوحيد ، فكلما حل أرضاً وجد فيها له أخوة في الإيمان ، وإن كانت الألسنة مختلفة والألوان متباينة لأن الإسلام أذاب كل تلك الفوارق واعتبرها من شعارات الجاهلية"(3) .. ويحكي لنا التاريخ كيف سافر ابن بطوطة من "شاطئ المحيط الأطلسي إلى شاطئ المحيط الهادئ ، ولم يعتبر في قطر مر به أجنبياً ، بل واتته الفرصة حيثما حل لأن يصبح قاضياً أو وزيراً أو سفيراً ، ولم يراقب في حركاته وسكناته ، ولم يسأله أحد عن هويته أو جنسيته أو مهنته أو وطنه"(4) فقد كان أفراد الأمة في تحركهم بين بلد وآخر من بلاد الإسلام لا يحتاجون إلى تأشيرات دخول أو خروج ، لأن الإسلام بلور (هويتهم) الحقي

المزيد


قضايا منهجية

يوليو 25th, 2007 كتبها  محمد المصري نشر في , أبحاث

صراع الأفكار

د.محمد محمد بدري

ليس كل ما يعلم يقال ، وليس كل مـا يـقــال يقـال في كل وقت. ففي بعض الأوقات يكون الصمت هو الواجب ، فإذا استغل الأعداء هذا الصمت كان الكلام هو الواجب. وهذا المقال محاولة للتوفيق بين واجب الصمت وواجب الـكـلام في طبيعة الصراع بين الإسلام وأعدائه ، وبعد قراءة المقال يكفي القارئ أن يفتح عـيـنـيـه على الواقع ليرى أمارات هذا الصراع، بــل ربمـا يستخلــص من الوقائع المعروضة نتائج لم تلفت انتباهنا، أو أغفلناها خلال هذا المقال احتياطاً من التطويل ورغبة في التحديد. وكل ما نتمناه أن يقوم في الحركة الإسلامية من يتصدون لكشف سـبـيـل أعـدائـهـــا "سـبـيل المجرمين" حتى لا تبقى الحركة معرضة لهجماتهم دون عون أو نجدة.

إن من سنن الله الجارية التدافع أو الصراع بين الحق والباطل ، قال - تعالى - : ((ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ))[ البقرة:251] ، فالله - عز وجل - يدفع بأهل الحق أهل الباطل ، وهكذا يستمر الصراع بين الأنبياء وأتباعهم ، وأتباع الشيطان ، بين الأنبياء والجماعات الضالة الذين يرفـضـون حـكـم الله وشـريـعـتـه ويتمسكـــون بحكم الجاهلية، ولن ينتهي هذا الصراع حتى تنتهي الدنيا.

ولاشــك أن للأفكار قيمة كبيرة كأداة من أدوات الصراع بين الحق والباطل ، وما سلوك الإنسان وتصرفاته

إلا نتيـجــة لأفكاره ، فإذا تغيرت أفكاره بجهده هو أو عن طريق جهد غيره فإن سلوكه يتغير، وهذا التغيير قد يصل إلى النقيض ، فهناك فكرة قد تجعل إنساناً ينحني ويسجد لصنم من الحـجــر، وفـكـــرة أخرى تجعل إنساناً آخر يحمل الفأس ليكسر ذلك الصنم ويحطمه!

ولأن الأفكار بهذا القدر من الأهمية في الصراع بين الحق والباطل فإنه ومنذ تقرر في أوكار الصهيونية تدمير الخلافة الإسلامية وأعداء الإسلام يحرصون على تخريب الفكر الإسلامي وتشويه العقل السليم من ناحـيـــة، ومن ناحية أخرى يقومون برصد الأفكار الفعالة التى تحاول إيقاظ الأمة من سباتها، لكي يقضوا عليها في مهدها أو يحتووها قبل أن تصل إلى جماهير الأمة فتصحح وجهتها أو تعدل انحرافات أفرادها، ولتبقى الجماهير إذا اجتمعت تجتمع على أسا


المزيد


بحث علمي

يوليو 25th, 2007 كتبها  محمد المصري نشر في , أبحاث

نظرات في الدراسات الاجتماعية

مصادرها ومناهجها

طارق عبد الحليم

تحـتـل الـدراسـات الاجتماعية مكاناً بارزاً بين العلوم التي تشتد إليها حاجة الأمم ، مع تـزايــد درجــة وعـيها بسنن الله سبحانه في خلقه الماديّ والبشريّ جميعاً ، ومع اضطراد رقيها العقلي والخلقي ، وبعدها عن عفوية الفهم ، وتلقائية التصرف.

وإن كنا نقصد بتلك الدراسات ما يتناول الحالة الإنسانية في انفرادها واجتماعها بالبحث والتحليل ، وإظهار ما يعتريها من ظواهر نفسية ، وسنن اجتماعية ، فإن القرآن الكريم قد أحلَّ تلك المباحث محلاً عالياً ، وأولاها رعاية بالغة ، وعالج في محكم آياته العديد من تلك الظواهر ، كما أفصح عن دوام تلك السنن ؛ دل سبحانه على اضطراد سننه العامة المادية والاجتماعية في قوله تعالى: ((سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ولَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً)) [الأحزاب:62] ، وعالج حركة النفس الإنسانية حين تواجه خطراً محدقاً يكاد يذهلها عن قوام وجودها - الإيمان - حتى لتظن بالله الظنون ، قال تعالى: ((إذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ ومِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وإذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا)) [الأحزاب:10] ثم يصف سبحانه حالة النفس المنافقة المخادعة ، وقد واجهت الخوف والفزع: ((أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإذَا جَاءَ الخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ)) [الأحزاب:19]. ويفصح سبحانه عن اختلاط أصحاب النية الصافية الكاملة التوجه لله سبحانه بمن لا يزال للدنيا نصيب من نفسه ، وإن لم يصادم ذلك الإيمان في معرض بيان أثر ذلك على الدعوة الإسلامية وتقدمها ، منبئاً عن ذلك القدر الرفيع من الإيمان الذي يتمحض فيه الخير ، وتتفرد فيه النية لله ، ((حَتَّى إذَا فَشِلْتُمْ وتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وعَصَيْتُم مِّنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا ومِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ولَقَدْ عَفَا عَنكُمْ واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ)) [آل عمران ](1).

ثم كثير كثير من الآيات المحكمات التي يعالج فيها الحق سبحانه تلك الحالات التي تطرأ على النفس أفراداً وجماعات ، ليكون المؤمن على بصيرة من نفسه ، وعلى وعي بمسالكها ودروبها.

يقول سيد قطب في الظلال: "وكان القرآن الكريم يتنزل في إبان الابتلاء ، أو بعد انقضائه ، يصور الأحداث ، ويلقي الأضواء على منحنياته وزواياه ، فتنكشف المواقف ، والمشاعر ، والنوايا والضمائر ، ثم يخاطب القلوب وهي مكشوفة في النور ، عارية من كل رداء أو ستار ويلمس فيها مواضع التأثر والاستجابة(2).

ثم السنة الشريفة التي فيها بيان الكتاب وتفصيله ، هي بيان لما بين العبد وربه ، وبين العبد وأخيه ، وبين العبد ونفسه ، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سنته القولية والعملية ، وفى سيرته الطاهرة قد مارس أعلى درجات التربية النفسية ، والتوجيه الجماعي لتلك العصبة المؤمنة الأولى ممارسة فعلية وبياناً قولياً بما يصلح أن يكون منهجاً متكاملاً وأساساً ركيناً لما هو موضوع تلك الدراسات الاجتماعية الإنسانية.

وقد تناول عديد من علماء المسلمين وأئمتهم ، في مجالي المباحث الأخلاقية والتربوية ، ما يجب أن يكون عليه المسلم من خلق قويم ، وما يجب أن يتحاشاه من سلوك ذميم ، من خلال التعرض لتلك الصفات الحميدة التي دل عليها الكتاب وفصلتها السنة كالصبر والحلم وكظم الغيظ في مجال المباحث الخُلُقية ، كالإمام النووي وابن القيم وغيرهما.

كذلك تناثرت في خلال بعض الدراسات التاريخية إشارات للسنن الاجتماعية التي جعلها الله سبحانه قوانين ثابتة تحكم التجمعات البشرية في كل زمان ومكان ، كما يتضح في كتابات ابن تيمية وابن القيم على وجه الخصوص كما ظهرت في العصر الحديث بعض الدراسات التي تناولت الجوانب الخلقية والأصول التربوية الإسلامية وبعض الظواهر الاجتماعية بالبحث والتحليل ، نذكر منها - على سبيل المثال لا الحصر- تلك الدراسات القيمة للأستاذ محمد قطب عن "منهج التربية الإسلامي" والتي تناول فيها ، فيما تناول ، بعض الظواهر المتعارضة في الحياة الاجتماعية ، والتي تتعرض لها النفس الإنسانية بعامة ، في صورة من الصور ، كالفردية والجماعية ، أو السلبية والإيجابية (3).

وقد أسهم الدكتور محمد أمين المصري ، بدراساته العميقة حول التربية الإسلامية وأغراضها ، وحول دور الفرد والمجتمع في الإسلام ، وسلوك الفرد وأهميته ، في مجموعة محاضراته "المجتمع الإسلامي" وكتاب "المسؤولية" وغيرهما ، مما هو جدير بأن يكون محل احتفاء ورعاية من المسلمين ، لما فيه من توجيهات فذة ، وتحليلات رائدة.

كذلك ما تناوله الأستاذ مالك بن نبي من ظواهر شائعة في المجتمعات الإسلامية المعاصرة ، بعد أن تقهقرت في سلم الرقيّ الحضاريّ كالسطحية ، وذهان السهولة ، وما أشار إليه الأستاذ جودت سعيد في كتابه القيم "حتى يغيروا ما بأنفسهم" ؛ إلى غير ذلك مما يهم المسلمين اليوم أن يرصدوه في واقعهم وأن يتعاملوا معه تعاملاً واقعياً مبنياً على معرفة وإحاطة بما يعتمل في النفس الإنسانية من دوافع الخير ونوازع الشر.

ومما لاشك فيه أن الساحة الإسلامية قد ماجت بأحداث جسيمة خلال العقود القليلة الماضية ، وتجاوبت تلك الساحة للأحداث بردود أفعال شتى ، ظهرت من خلال أوضاع لا تغيب عن عقل الباحث المتتبع لمسرح الحياة الإسلامية في تلك الفترة المعاصرة. وكان من نتائج تلك الأحداث وردود أفعالها في واقع المسلمين وحياتهم أن ظهرت معطيات جديدة في الخريطة الاجتماعية للحياة الإسلامية لم تكن من قبل ، كما تعرضت النفس المسلمة - الفردية والجماعية - لمؤثرات لم تتعرض لها من قبل ، ذلك كله قد جعل الحاجة ماسة -أكثر من أي وقت مضى- إلى مزيد الاهتمام بتلك الدراسات الاجتماعية والإنسانية ، والتي تتناول بالتحليل والملاحظة النفس الإنسانية المسلمة في واقعها الفرديّ والجماعي ، ومن خلال حالات واقعية محددة بعيدة عن التجريد ، لتصل إلى الأسباب الكامنة وراء تلك الظواهر العديدة التي تجتاح المسلمين وحياتهم ، وتجتالهم عن طريق الحق والتقدم للهدف.

ولنزيد الأمر إيضاحاً فيما يخص تلك الدراسات ، نستعين بضرب المثل - أسوة بالقرآن الكريم - ولنتصور جماعة من العاملين بأحد المصانع ، وقد لاحظ القائمون عليهم ضعفاً وتكاسلاً ، انعكس على قلة الإنتاج ورداءته ، ولمعالجة ذلك القصور كان أن عرض اقتراحان:

أولهما:

أن يبين للعاملين في هذا المجال -من خلال محاضرات وندوات طويلة ومكثفة - ما يجب أن يكون عليه العمل ، وما هي صفات العامل المجد ، وما هي عواقب التكاسل والتراخي ، وما هي مزايا الجد والاجتهاد وفضل الإيثار وعدم الأنانية.. على أن يتم هذا التوجيه سواء بالكلمة المسموعة أو النشرة المكتوبة.

ثانيهما:

أن نتناول بالملاحظة والتحليل تصرفات العاملين في المواقف المختلفة - أفراداً وجماعات - وطبيعة العلاقات بينهم ، وأن تشمل تلك الدراسة طبائع مثل تلك التجمعات مقارنة بمثيلاتها ممن يشترك معها في صفاتها وخصائصها ونزعاتها ، ثم علاقتها بقياداتها التي تدفعها للتكاسل والإحجام ، أو البذل والعطاء ، وما هي وسائل حفز أولئك الأفراد ليكونوا أغزر إنتاجاً ، وأكثر نشاطاً ، وأقل اختلافاً ، وتعارضاً في المصالح كما يشمل البحث الحياة الشخصية للأفراد ، فرداً فرداً ليرى ما يؤثر فيها من مشكلات وصعوبات تنعكس على أدائها بشكل أو بآخر ، وما يوجهها في حركتها من دوافع داخلية مستترة قد تتوافق مع الهدف العام والسياسة النهائية للمصنع أو تتعار


المزيد


البلاغ المبين

يوليو 23rd, 2007 كتبها  محمد المصري نشر في , أبحاث, أبحاثي

 وما عليك الا البلاغ المبين

إعداد/محمد المصري.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد:-

جعل اللّه تعالى مهمة رسله وأنبيائه وأتباع رسله هي البلاغ، أي إبلاغ دعوة الحق إلى جميع الناس وإلى الثقلين، ولكنه ليس كأي بلاغ إنه (البلاغ المبين) ولفظ البلاغ المبين جاء في القرآن في سبعة مواطن، وهي:
1-وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ [المائدة : 92]

2-وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ [النحل : 35]

3-فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ [النحل : 82]

4-قلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [النور : 54]

5-وَإِن تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [العنكبوت : 18]

6-وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ [يس : 17]

7-َوأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [التغابن : 12]

وقفة مع اللغة:
كلمة بلغ: تعنى وصل أو قارب على الوصول.
يقول ابن فارس: (الباء واللام والغين أصل واحد، وهو الوصول إلى الشيء: بلغت المكان إذا وصلت إليه، وقد تسمى المشارفة بلوغاً بحق المقاربة)(1(
وقال الأزهري: (والعرب تقول للخبر يبلغ أحدهم ولا يحققونه،وهو يسوؤهم: سمع لا بلغ، أي تسمعه ولا يبلغنا،ويجوز سمعاً لا بلغا)(2)
وقال في اللسان: رجل بليغ: حسن الكلام فصيحة،يبلغ بعبارة لسانه كنه ما في قلبه)(3) وبيان يذاع في رسالة ونحوها(4)وهذا دليل على أن استعمال كلمة البلاغ إنما كان لما فيه من طبيعة الوصول والانتهاء.
يقول الشيخ السعدي رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: "وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ" أي: البلاغ المبين الذي يحصل به توضيح الأمور المطلوب بيانها وما عدا هذا من آيات الاقتراع ومن سرعة العذاب فليس إلينا، وأن وظيفتنا هي البلاغ المبين.
Lمن مقتضيات البلاغ المبين:
أ - عدم التقصير في البلاغ: قال _تعالى_:" يأيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدى القوم الكافرين" (المائدة66) يقول القرطبي رحمة الله: "وهذا تأديب للنبي صلى الله عليه وسلم وتأديب لحملة العلم من أمته ألا يكتموا شيئاً من شريعته"(5)
ب - توفر عنصر الوعي لدى المبلغ: قال صلى اللّه عليه وسلم_ (نضر اللّه امرءاً سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلغها، فرّب حامل فقه إلى من هو أفقه منه…" الحديث رواه أحمد، استفاد الخطابي من هذا الحديث كراهة اختصار الحديث لمن ليس بالمتناهي بالفقه، وعلى هذا فإن الوعي يكون بحفظ النص وأدائه كما قيل، ويكون للفقيه بمحافظته على المعاني المستفادة.

ج - ومن مقتضيات البلاغ المبين البلاغة: وتتضح البلاغة المقصودة في قوله _تعالى_: "وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً" (النساء: من الآية63) ويقصد بها أن يكون الكلام حسن المعاني واضح في ألفاظه مع تجنب وحشي الكلام وغريبه ولا يقصد بالبلاغة التكلف والتشدق والتفيهق، فهذا مخالف لمنهج السلف الصالح _رضوان الله عليهم_ فقد(مرّ السلف الصالح في بث الشريعة للمؤالف والمخالف، ومن نظر في استدلالهم على إثبات الأحكام التكلفية علم أنهم قصدوا أيسر الطرق وأقربها إلى عقول الطالبين،لكن من غير ترتيب متكلف، ولا نظم مؤلف، بل كانوا يلقون الكلام على عواهنه ولا يبالغون كيف في ترتيبه إذا كان قريب المأخذ سهل الملتمس)(7(
د - ومن فقه البلاغ المبين كراهة الخوض فيما لا ينبني عليه عمل:
يقول الإمام الشاطبي _رحمه الله تعالى_: "كل مسألة لا ينبني عليها عمل، فالخوض فيها خوض فيما لم يدل على استحسانه دليل شرعي، وأعني بالعمل عمل القلب وعمل الجوارح من حيث هو مطلوب شرعاً، و الدليل على ذلك: استقراء الشريعة فإنّا رأينا الشارع يعرض عمّا لا يفيد عملاً مكلفا به، ففي القرآن الكريم "يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج" فوقع الجواب بما يتعلق به العمل، ومن هنا نهى _صلى الله عليه وسلم_ عن قيل وقال

المزيد