خصائص المرحلة المكية
في مجال المعرفة
(2/2)
بقلم: د. محمد أمحزون
أوْلى الإسلام العلم والمعرفة عنـاية واضحة وذلك مع أول آيات الوحي في الرحاب المقدسة، وسبق أن أوضح الكاتب أن من خـصــائـص العلم في هذه المرحلة: الاهتمام بالعلم (العقيـدة وتوحيـد الله) ـ عز وجل ـ، وأصلَيِ الديـن: (التوحيد، والاتباع)، ثم بين أن ذلك يتضمن أن يكون الإيمان: قولاً وعملاً.. ويواصل الـكـاتــب فـي هذه الحلقة إيضاح جوانب أخرى للموضوع.
توحيد الله ـ عز وجل ـ في ربوبيته:
جاء القرآن المكي موضحاً لنوع آخر من التوحيد هو توحيد الربوبية، ومن مقتـضـيـاتــه أن الإحـيــــــاء والإمـاتــة، والرزق والنفع والضر وتدبير شؤون الخلق، والتشريع من تحليل وتحريم، من خصائص رب العالمين.
وقد أفصح القرآن المكي عن ذلك في مواضع كثيرة، من ذلك قوله ـ تعالى ـ: ((لا إلَهَ إلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ)) [الدخان: 8] وقـوله ـ تعالى ـ: ((إنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ)) [الإسراء: 30] وقـوله ـ تعالى ـ: ((وَإذَا مَسَّ الإنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إلَيْهِ)) [الزمر: 8] وقــوله ـ تعالى ـ: ((أَلا لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ)) [الأعراف: 54] وقوله ـ تعالى ـ: ((إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْــــرَ مَا مِن شَفِيعٍ إلاَّ مِنْ بَعْدِ إذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ)) [يونس: 3].
وقــد بـيّـن القرآن الكريم أن العلة في اتخاذ اليهود والنصارى أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله هـي بـمــا أعطوهم من حق التشريع في التحليل والتحريم وأطاعوهم فيه، كما في قوله ـ تعالى ـ: ((اتَّـخَــــذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا إلَهاً وَاحِداً لاَّ إلَهَ إلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)) [التوبة: 31].
وقد علّم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أصحابه تجريد هذا النوع من التوحيد، فنفوا حسّاً وواقعاً كل ما يضاد توحـيـد الربوبية من اعتقاد متصرف مع الله ـ عز وجل ـ في أي شيء من تدبير الكون، حيث اسـتـقــر في قلوبهم إلى درجة اليقين أن الله ـ عز وجل ـ هو المحيي المميت، وأنه هو الضار النافـــع، وأنه هو الرزاق ذو القوة المتين، وأنه هو المدبر المشرع بيده كل شيء.
كما رسخ في قلوبهم بفعل التوجيهات القــرآنية والنبوية أن المخلوقات البشرية إن هي إلا أدوات لقدر الله، وأنها حين تضره فهي تـضـــره بشيء قدره الله له، وحين تنفعه فإنما تنفعه بشيء قد كتبه الله له، فلا ملجأ ولا منجا من الله إلا إليه.
وحين كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعلِّم أصحابه هذه العقيدة ويربيهم عليها، إنما كان ينشئ بقدر الله ذلك اليقين القلبي الــــــذي ينبثق منه السلوك العملي. فليست العقيدة مفهوماً معرفياً ذهنياً تستوعبه الأذهان وكفى، إنها على هذا النحو لا تصنع شيئاً في عالم الواقع، كالفلسفة في الأبراج العاجية لا تغير شيئاً في واقع الناس، إنما هي عقيدة ترسخ وترسخ حتى تصبح يقيناً قلبياً تنطلق على هـــداه مشاعر القلب، ويجري بمقتضاه السلوك العملي للإنسان(1).
وبهذه الصورة الناصعة آتت العقيدة ثمارها المباركة فـي مـــواقف الصحابة وهديهم؛ فلم يخشوا إلا الله، ولم يتوكلوا إلا عليه، ولم يلتجئوا إلا إليه، وصـــــدعوا بالحق في وجه الباطل لا يخافون لومة لائم؛ لأنهم علموا حق العلم أن كلمة الحق لا تقدم أجلاً ولا تؤخر رزقاً.
تُرى: كم يحتاج الشاب المسلم الذي يعمل في حقل الدعوة من جلسة علمية ودرس وموعظة وتوجيه ليرسخ في قلبه إلى درجة اليقين أن الأرزاق والآجال بيد الله وحده، فهو المحيي المميت، وهو الضار النافع، وهو المعطي المانع، وهو الذي بيده مقاليد كل شيء، ذلك أن كثيراً من المسلّمات العقدية تبقى بدهيات ذهنية تستقر في وقت السلم والأمن في الشعور، ولكنها تهتز إذا تعرضت للشدة ومحك الاختبار؛ لأنها ليست عميقة الجذور، ولم تعد يقيناً قلبياً بمفعول التربية.
توحيد الله ـ عز وجل ـ في أسمائه وصفاته:
وكذلك جاء القرآن المكي مقرراً لتوحيد الأسماء والصفات، فغالب الآيات تختم بصفات الله ـ تعالى ـ وأسمائه الحسنى، لتأكيدها وترسيخها في النفوس، كي يعبد الله ـ عز وجل ـ بمقتضاها. مثل ذلك قوله ـ تعالى ـ: ((قُلْ أَنزَلَهُ الَذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً)) [الفرقان: 6]، وقوله ـ تعالى ـ: ((وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ)) [الأنعام: 18]، وقوله ـ تعالى ـ: ((فَالِقُ الإصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيلَ سََكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ)) [الأنعام: 96].
ولما كان لتوحيد الأسماء والصفات شأن عظيم وأثر كبير في النفوس والقـلـــوب، ولا يصح إيمان عبد إلا بإيمانه بأسماء الله وصفاته، فقد أمر الله ـ عز وجل ـ عباده أن يدعوه بها: ((وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا)) [الأعراف: 180].
كما أمرهم أن ينزهوه عن مشابهة المخلوقين وعن تأويل صفاته وتحريفـهـــا، وأن يؤمنوا بصفات جلاله ونعوت كماله كما جاءت في كتابه الكريم بلا كيف، كما في قوله ـ تعالى ـ: ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)) [الشورى: 11]، وقوله ـ تعالى ـ: ((يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً)) [طه: 110].
وهنالك بُعْدٌ آخر في فهم الأسماء والصفات، وهو فقهها والشعور بآثارها القلبية والتعبد لله ـ عز وجل ـ بها، وتحقيق ما تقتضيه من فعل المأمورات وترك المنهيات اقتداءً برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه ـ رضي الله عنهم ـ الذين تعلموا منه الإيمان والعمل؛ فعن جندب بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ قال: (كنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- ونحن فتيان حزاورة(2)، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن، فازددنـا به إيماناً)(3)، فنظروا إلى كل اسم من أسماء الله بأن فيه حقاً من العبودية لله ـ عز وجل ـ على العباد يتعبدون لله ـ سبحانه وتعالى ـ. وهذا جلي وواضح من سيرهم ومــــواقفهم وأعمالهم(4).
ويذكر ابن القيم ـ رحمه الله ـ مقتضيات هذه العبودية وآثارها بقوله: (لكل صفة عبودية خاصة هي من موجباتها ومقتضياتها ـ أعني من موجبات العلم بها والتحقق بمعرفتها ـ وهذا مطّرد في جميع أنواع العبودية الت













