التوجيه الإسلامي الشامل

يناير 10th, 2008 كتبها  محمد المصري نشر في , فى المنهج

التوجيه الإسلامي الشامل

د.محمد محمد بدري

أصبح الإعلام من أقــوى (الأسلحة) التي تحرص الأمم على امتلاكها. وتتسابق في ميدانها ووُظِّفَت دراسات علم الـنفــس وعلم الاجتماع وغيرهما من العلوم في خدمة الإعلام ، حتى أصبح قادراً على (صناعة) اهتمامات الفرد ، و(صياغة) أفكاره ، و(تغيير) سلوكه بما يتفق مع التغيير الاجتماعي المنشود.

ولقـد قـطـع الإعــلام الـجاهلي المعاصر خطوات كبيرة نحو (الإنسان) المسلم حتى أوقعه في أسـره.. وكانت الخطوة التالـيـة لـ (الأسر) هي مـحـاولــة دفــع هذا المسلم في طريق التنكر للإسلام عقيدةً وشريعةً وسلوكاً وحضارة!! وقد توسل الإعلام الجـاهـلـي لـذلـك بوسـائــل كثيرة:

فأما حقائق الإسلام، فـقـد كـانـت طـريقـتـه في عـرضهـا هي (العرض اللاهوتي) أو التراثي المتخفي ، حتى أصبح أكثر المسلمين لا يفهم من كلمة الإســلام إلا مـا يفهـمـه الأوربي من كلمة Religion إذا ذكرت أمامه ، فلا يزيد الإسلام في حسه عن بضعة طقـوس وشعائر لا علاقة لها بشأن من شئون الحياة !!

وأمــا الأفكار التي يقوم بنشرها ، فلا تجد بينها غذاءً فكرياً جيداً ، بل أكثرها من نوعية الأفـكـار التي يمكـن أن نطلق عليها (العَلَف الفكري) ، فهي أفكار »تدعو الفرد المسلم ، إمّا إلى الانصراف إلى قضاياه اليومية الخاصة التي تدور حول الغذاء والكساء والمأوى ، وإما إلى الاغتراب الحضاري والجـغـرافـي، والهجــرة إلى خارج الوطن الأم والانضمام - بإعجاب وولاء - إلـى المجتمعات (الاستعمارية).. وإما إلـى الانـحـلال الاجـتـمـاعـي والانـحـراف والانغماس في تيار الجنوح والانحراف«(1).

وأمـا الأخلاق الـتـي ينشـرهــا الإعلام الجاهلي فهي أخلاق (الفضائح الاجتماعية) ، »فمن إدمان للخمر، إلى نوادي القمار، إلى دور البغاء العلني والسري ، إلى الخلاعة على شواطئ الـبـحـار والأنهـار وأحـواض السـباحة والاستعراضات الرياضية المختلطة، إلـى تسـهـيـل الإغراءات في الملابس وتشجيع دورهـا ومحلاتها وصحفها وحفلات عرضها.. إلى آخر تلك الفضائح الأخلاقية التي قتلت الرجولة والشهامة والمروءة والاستقامة وروح الجهاد والكفاح في الحياة لدى الأجيال المسلمة…«(2).

وأمـا فـي نطــاق قدرة الفرد على التغيير ومجابهة التحديات ، فقد أكد هذا الإعلام على ترسيخ اعتقاد المسلم بأنه غير قادر على فعل أي شيء في مواجهة الواقع ، وأن الاستسلام لما هو كائن هو (التصرف الواقعي)!

ولا شـك أن الـعـمـل الإسـلامـي لا يملك في مواجهة هذا الإعلام إلا سلاح الدعوة والبيان، ولكن شمول الخلل الذي أحدثــه الإعـلام الـجـاهـلـي في الأمة يحتم على العمل الإسلامي أمرين :

الأول : »لم يعد يكفي الاعتماد على الجانب العقدي وحده أو التشريعي وحده أو السلوكي وحده، لمجابهة الأزمات الحضارية والانـتـكـاســات الفـردية والاجتماعية التي يمر بها المجتمع الإسلامي. بل لا بد أن تم

المزيد


بطاقة الأنتماء

أكتوبر 28th, 2007 كتبها  محمد المصري نشر في , فى المنهج

بطاقة الإنتماء

الدكتور/محمد محمد بدري.

إذا كنا نتطلع نحو ترشيد للعمل الإسلامي؛ فلا بد لنا من نظرة عميقة في إمكاناته.. وفعالياته.. ونقائصه؛ حتى ندرك ـ دون لبس، أو غموض، أو إيهام ـ أين ينبغي عــلـيـنـا إحداث التـغـيـيـر فـي أنفـسـنا ليغير الله ما بنا: ((إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)) [الرعد: 11]، فالتغـيـيـر إنما يحدث وفق سنن ربانية ثابتة لا تحابي أحداً من الخلق مهما زعم لنفسه من مسوغات المحاباة!!.

ومن سنن الله الثابتة التي لا يفيد معها (تعجّل) الأذكياء، ولا (أوهام) الأصفياء، أنه حين يتوقف أفراد مجتمعٍ ما عن العطاء، ويكـتـفـون بالأخذ: فإن هذا المجتمع يسير من الشلل إلى الفناء.. الفناء البطيء الذي لا يراه إلا العــارفون بسنن الله في النفس والمجتمع!!.
فأين نجد أنفسنا من هذه السنة الثابتة؟.
إن منا من يؤكد انتماءه للعمل الإسلامي، بينما هو يقف في مواقع الأخـذ والاستهلاك دون أدنى عطاء أو عمل!!.. فإذا ساءلنا أحد عن دورنـا فـي إحـيــاء الأمـة وعودتها إلى قيادة القافلة البشرية من جديد: أخرج كلّ منا بطاقة انتماء لهذا الفصيل أو ذاك مــن فـ

المزيد


نحو حركة إسلامية راشدة

أكتوبر 28th, 2007 كتبها  محمد المصري نشر في , فى المنهج

نحو حركة  إسلامية راشدة "دعوة وبُنيان"

بقلم الدكتور/محمد  محمد بدري

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلي الله عليه وسلم وبعد:

إن الإنسان المسلم، والأسرة المسلمة، والأمة الإسلامية، والبشرية التائهة.. كلهم جميعًا أحوج ما يكونون إلى حركة إسلامية راشدة تُعيد للحياة معناها وقيمتها، وللإنسان حريته وكرامته، وللبشرية الهداية والسلام..
حركة إسلامية تستطيع أن:
- تفهم حقيقة دورها وخطورته تجاه نفسها وتجاه البشرية.
- تستوعب حجم المسؤولية التي تواجهها، وقدر التضحيات التي ستبذلها.
- تدرك أهداف الرسالة الإسلامية، وكيفية تحقيقها على النهج الرباني.
- تعرف وتحقق سنن الله تعالى في الاجتماع البشري.
- تُحدد ـ عن معرفة دقيقة ـ من هو عدوها المتربص بها، ويكيد لها.
- تستعد لمواجهة كل التحديات عن يقين في رحمة الله ونصره ووعده.
- تُوفي أمانة الدعوة، وتحترم صدق الكلمة.. وتشعر الحياة فاعليتها.
- ترتفع إلى مستوى الأزمة التي تعيشها الأمة، والمشكلات التي تعصف بالبشرية.
وللأسف، لم يُكتب بعدُ ميلاد لمثل هذه الحركة الإسلامية بتلك الموصفات.. نعم، كانت هناك ـ ومازال ـ جهود على مستوى الأفراد، وأحيانًا ـ قليلة ـ على مستوى الجماعات تُدندن حول هذه المفاهيم إلا أنها لم تتحول بعد إلى حياة متكاملة متناسقة..
فعلى مستوى الأفراد: هناك جهود تحاول أن تراجع وتستوعب عمق المأزق التاريخي الذي نعيشه، إلا أنها تظل في محيط الأفراد، ولم تخرج بعد إلى الحياة داخل "محضن إنساني" بكل أبعاده وتكوينه وخصائصه.
وعلى مستوى الجماعات: فلقد ابتلعت الأجهزة الأمنية في بلادنا أكثر الحركات التي وُلدت إسلامية وحولتها إلى أداة تستخدمها لتثبيت دعائم الظلم والطغيان، واستخدمتها وسادة آمنة تحيطها من كل جانب ضد أي حركة فكرية كانت أو واقعية تحاول مقاومة هذا الظلم والطغيان. بل وأخذ الأمر صورة عالمية لهذه المواجهة ـ وهو كذلك من أول يوم ـ وأصبح ظاهرًا لكل ذي عقل..
فأصبحت أكثر الحركات الإسلامية.. تحت خط الفاعلية، ودون أي عمل حقيقي ينقذ الأمة !!..
ومن ثم فقد تحولت تدريجيًا من حركات تدعو إلى سبيل الله وصراطه المستقيم، إلى حركات تصد عن سبيل الله.. لما تقوم به من تأويل لآيات الله في محاولة تبرير وجودها الواقعي.. حتى التبس على الناس أمر دينهم!!.
وهذا أمر ليس بجديد على التاريخ والبشرية.. بل هو مفصل ومحكم في كتاب هذه الدعوة "القرآن الكريم" وما دين النصارى منا ببعيد..
فإن أي حركة تقوم باسم الله، وباسم شريعته لمقاومة الظالمين والطغاة، دون أن تدرك عمق أهدافها، وعظيم مسؤوليتها، وقدر التضحيات التي ستواجهها، وسنن قيام هذه الدعوات، وتحافظ على حيويتها اللازمة طوال هذه الرحلة؛ حتى تصل إلى الجنة التي وعدها من يحملون منهج هذه الدعوة.. فإنها لا تلبث أن يساومها أهل الباطل أصحاب السلطان والمال على دعوتها..
يساومونها من خلال دراسات عميقة، ومعرفة يقينية بخطورة منهج الحياة الرباني لهذه الدعوة الذي يهدد مصالحهم ووجودهم ، بل لقد أصبح
لمنهج المساومة هذا، هيئات ومؤسسات ترسم شكل المساومة وحدودها حسب طبيعة الزمان والمكان، وحجم الدعوة ودرجة فاعليتها.
وهي في البداية
مساومة، تتحول فيما بعد إلى احتواء، ثم ابتلاع، ثم موت.. ثم صد عن سبيل الله!!.
{ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتُبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمنًا قليلا فبئس ما يشترون }{لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم }
{ وقل إني أنا النذير المبين. كما أنزلنا على المقتسمين. الذين جعلوا القرآن عضين. فوربك لنسألنهم أجمعين. عما كانوا يعملون. فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين }.

ومن هنا فقد مسّت الحاجة إلى حركة إسلامية راشدة ، تتحرك في عملها في مجالين :
الأول:
هو الدعوة العامة، والبيان التام، والشرح التفصيلي.. للدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، ومقارنة هذا الدين بكل الأديان الأخرى في جميع المجالات الحياتية ( اجتماعية وأسرية ـ سياسية "حك

المزيد


إنه دعوة للخلود

أكتوبر 3rd, 2007 كتبها  محمد المصري نشر في , فى المنهج

إنه دعوة للخلود

 

محمد بن شاكر الشريف

 
هناك من الأمور ما يُنظر إليها من عدة أوجه، بعضها أظهر من بعض، ويلمس كثير من الناس المعنى ‏الأكثر ظهورا بحكم الاستعمال أو القرب، في حين أن المعنى الأقل ظهورا يكون هو المعنى الأشد لصوقا ‏وتأثيرا وقوة، فعندما يتأمله الناس حق التأمل أو حينما يشرحه شارح أو يفسره مفسر يتعجبون كيف خفي ‏عليهم ذلك، ولم يدركوه مع أن النصوص قد تناولته وبينته.‏

‏ ينطبق هذا الأمر بشدة على لفظ الجهاد في سبيل الله تعالى، فكثير من الناس بل أكثرهم في عصرنا ‏الحاضر ما أن يطْرُق سمعهم هذا اللفظ إلا استدعى في ذهنه وخياله، صورة نمطية ترسخت في وجدانه، ‏حيث يطِنُّ في أذنيه هدير المدافع وأزيز الطائرات وفرقعات القنابل، ويرتسم أمام ناظريه ميدان المعركة بلونه ‏الأحمر القاني حيث تتطاير الرءوس وتتقطع الأعضاء وتسيل الدماء وتدك الحصون وتخرب الدور العامرة، ‏فيقتل الرجال وتترمل النساء ويتيتم الأطفال، وتفسد الزروع والثمار.‏

وإذا كان هذا حظ المفسدين المضلِّلين من أعداء الإسلام، ومن تبعهم من الضالين من أبناء جلدتنا، ‏الذين لا يرون في الجهاد إلا هذه الصورة دون غيرها مع قطعها عن كل ما يلامسها، فإن المؤمنين الصادقين ‏يعلمون أن الجهاد في سبيل الله فريضة دينية لتكون كلمة الله هي العليا في واقع الحياة ودنيا الناس، كما هي ‏العليا في حقيقتها وإن كفر بها الناس.‏

والقتال باستخدام آلاته المعروفة وإن كان أعلى مراتب الجهاد، إلا أن الجهاد لا ينحصر في القتال، بل ‏هو أعم من ذلك وأوسع بكثير، فالقتال ما هو إلا صورة متقدمة من صور الجهاد، والجهاد في سبيل الله ‏تعالى في معناه الأعم الأشمل هو المبالغة في استفراغ ما في الوسع والطاقة من قول أو فعل في سبيل الله تعالى ‏قال ابن تيمية رحمه الله تعالى :" حَقِيقَتُهُ الِاجْتِهَادُ فِي حُصُولِ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ مِنْ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ ؛ وَمِنْ ‏دَفْعِ مَا يُبْغِضُهُ اللَّهُ مِنْ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ"‏ ، وقال الكاساني :" الجهاد في اللغة : فعبارة عن بذل ‏الجُهد بالضم وهو الوسع والطاقة، أو عن المبالغة في العمل من الجَهد بالفتح، وفي عرف الشرع يستعمل في ‏بذل الوسع والطاقة بالقتال في سبيل الله عز وجل بالنفس والمال واللسان، أو غير ذلك، أو المبالغة في ذلك"‏ ‏ ‏فالجهاد في سبيل الله تعالى أنواع وله وسائل متعددة القتال أحدها وليس الوسيلة الوحيدة.‏

فالجهاد منه جهاد بالنفس وجهاد بالمال وجهاد باللسان، كما قال الرسول ‏ صلى الله عليه وسلم ‏ :"جاهدوا المشركين ‏بأموالكم وأيديكم وألسنتكم"‏ ، والأدلة على تنوع كيفيات الجهاد ووسائله كثيرة جدا، وقد فرض الله ‏تعالى الجهاد على المسلمين وجعله فرضا دائما عليهم إلى قيام الساعة، وأكده بأنواع متعددة من التأكيدات، ‏حتى غدا الجهاد في سبيل الله تعالى من أكثر الفرائض الدينية والتكليفات الشرعية التي استفاضت في ذكرها ‏نصوص الشريعة من الكتاب والسنة، وبينت فرضها وفضلها، فالجهاد مطلوب على جميع مستوياته ‏ومطلوب من المسلمين المكلفين جميعهم، لا يعفى من ذلك أحد، ومن لم يقدر على نوع فإنه يقدر على ‏نوع آخر، ولا يُعْذر أحد في ترك الجهاد بالكلية، قال الله تعالى :" لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ ‏عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللّهُ غَفُورٌ ‏رَّحِيمٌ" [التوبة :91]، فمن كان ضعيفا أو مريضا لا يقدر على الجهاد بنفسه، أو كان لا يجد نفقة يخرج بها ‏للجهاد، فإن هؤلاء لا حرج عليهم في عدم الخروج، ولكن نفي الحرج مقيد بشرط وهو قوله تعالى :"إذا ‏نصحوا لله ورسوله"، والنصح :إخلاص العمل من الغش، و تكون النصيحة بأمور منها :تعلق قلوبهم بالجهاد ‏والدعوة للمجاهدين بالنصر والتأييد، ومنها خلافة المجاهدين في أهليهم بخير، ومنها عدم الإرجاف بالناس أو ‏التثبيط لهم، وقد تضافرت أقوال أهل العلم على ذلك، فقال القرطبي رحمه الله تعالى :"(إذا نصحوا لله ‏ورسوله) :إذا عرفوا الحق وأحبوا أولياءه وأبغضوا أعداءه"‏ ، وقال الألوسي :"إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ :بأن ‏أرشدوا الخلق إلى الحق"‏ ، وقال أبو حيان :"وشرط في انتفاء الحرج النصح لله ورسوله، وهو أن يكون ‏نياتهم وأقوالهم سراً وجهراً خالصة لله من الغش، ساعية في إيصال الخير للمؤمنين، داعية لهم بالنصر ‏والتمكين"‏ ، وقال الشوكاني :"ويدخل تحت النصح لله دخولا أوليا :" محبة المجاهدين في سبيله ، وبذل ‏النصيحة لهم في أمر الجهاد، وترك المعاونة لأعدائهم بوجه من الوجوه"‏ ، وقال الرازي:"إنه تعالى شرط في ‏جواز هذا التأخير شرطاً معيناً، وهو قوله :إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، ومعناه أنهم إذا أقاموا في البلد احترزوا ‏عن إلقاء الأراجيف، وعن إثارة الفتن، وسعوا في إيصال الخير إلى المجاهدين الذين سافروا، إما بأن يقوموا ‏بإصلاح مهمات بيوتهم، وإما بأن يسعوا في إيصال الأخبار السارة من بيوتهم إليهم، فإن جملة هذه الأمور ‏جارية مجرى الإعانة على الجهاد"‏ ، فمع قيام الأعذار المانعة للخروج في الجهاد، فإن الله تعالى لم يضع عنهم ‏الحرج إلا بقيد النصح لله ورسوله.‏

وقد بلغ من فضل الجهاد في سبيل الله تعالى أن رجلا سأل رسول الله ‏ صلى الله عليه وسلم ‏ قائلا له :"دلني على عمل ‏يعدل الجهاد" فقال له الرسول ‏ صلى الله عليه وسلم ‏ :"لا أجده؟" فكأن الصحابي من كثرة ما سمع عن منزلة الجهاد وفضله، ‏وربما لم تكن لديه القدرة على الجهاد فأراد –حبا في الخير-أن يعوض هذا النقص بعمل مكافئ للجهاد، ‏لكن الرسول ‏ صلى الله عليه وسلم ‏ الذي كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، بين له أنه لا يجد عملا يكافئ ‏الجهاد، ثم قال له وكأنه يبين له ما يمكن أن يكافئ الجهاد :"هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل ‏مسجدك فتقوم ولا تَفْتُر، وتصوم ولا تُفطِر" فقال الرجل :"ومن يستطيع ذلك؟"‏ ، وفي رواية قيل للنبي ‏ صلى الله عليه وسلم ‏ ‏‏:"ما يعدل الجهاد في سبيل الله عز وجل؟ قال :لا تستطيعونه، فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثا كل ذلك يقول ‏‏:لا تستطيعونه، وقال في الثالثة :مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من ‏صيام ولا صلاة حتى يرجع المجاهد في سبيل الله تعالى"‏ ‏ قال النووي رحمه الله تعالى :"وفى هذا الحديث ‏عظيم فضل الجهاد، لأن الصلاة والصيام والقيام بآيات الله أفضل الأعمال، وقد جعل المجاهد مثل من لا ‏يفتر عن ذلك في لحظة من اللحظات، ومعلوم أن هذا لا يتأتى لأحد، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم :لا ‏تستطيعونه، والله أعلم"‏ ‏.‏

وقد يعجب الإنسان من هذا الفضل العميم والثواب العظيم، فيحدوه ذلك إلى البحث عن السبب ‏الذي لأجله وقع الجهاد من الدين هذا الموقع العظيم، وقد أجاب على هذا التساؤل ابن دقيق العيد باختصار ‏فقال- :" الْقِيَاس يَقْتَضِي أَنْ يَكُون الْجِهَاد أَفْضَل الْأَعْمَال الَّتِي هِيَ وَسَائِل، لِأَنَّ الْجِهَاد وَسِيلَة إِلَى إِعْلَان ‏الدِّين وَنَشْره، وَإِخْمَاد الْكُفْر وَدَحْضه، َفَضِيلَته بِحَسْب فَضِيلَة ذَلِكَ، وَاَللَّه أَعْلَم"‏ ، ومعرفة سبب تفضيل ‏الجهاد أو الحكمة من تفضيله أمر ذو فائدة كبيرة، حيث تجعل المسلم في جهاده عاملا على تحقيق ذلك، ولا ‏يكون مجرد عمل آلي، وسوف نحاول بإذن الله تعالى أن نفصل ما اختصره ابن دقيق رحمه الله تعالى في ‏الكلمات التالية :

1- الجهاد دعوة للحياة وليس للموت : فهو دعوة للحياة الحقيقية التي يعبد الإنسان فيها ‏ربه خالقه ورازقه، لا يشرك به شيئا، حياة حقيقية يشعر فيها بالكرامة التي أكرمه الله بها، والمنزلة التي رفعه ‏إليها، فيقوم بنشر الفضائل وإقامة العدل وعما

المزيد


لماذا نرفض العلمانية(1)

يوليو 30th, 2007 كتبها  محمد المصري نشر في , فى المنهج

لماذا نرفض العلمانية ؟(1)

د.محمد محمد بدري

ظهر مصداق قول رســول الله -صلى الله عليه وسلم- : "بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء" رواه مسلم ، وأصـبـح واقع الأمة الإسلامية يقرر أن غربة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأسرة ياسر، وبلال وغيرهم، قد عادت للذين يقولون : ربنا الله ، لا قيصر ، والحاكـمـيـة لله ، لا للبشر،… وغـابـت رايــة الإســلام عــن أرض الإســلام وحكمتها نظم علمانية لا دينية، حتى أصبحت الدعوة إلى أن يكون الإسلام بكتابه الكريم ، وسـنـة رســولـه الأمـيـن - صلى الله عليه وسلم - أساس الحكم ، جريمة في أكثر دول العالم (الإسلامي) تحاكم علـيـهـا قوانين تلك البلاد بالإعدام بتهمة تغيير شكل النظام؟!.

ولقد كان مما ساعد على استقرار تلك الأوضاع غياب الكثير من حقائق الإسلام وبديهياته، ومن أظهرها أن وجوب الحكم بـمـا أنــزل الله عقـيــدة لا يكـون المسلم مسلماً إذا تخلى عنها، وأن التشريع بغير ما أنزل الله ، والرضى بشرع غير شــرع الله هـو شرك مخرج من الملة .

ولـما كان بيان الحق وإبلاغه للخلق أمانة في عنق كل من علم شيئاً من حقيقة هذا الدين ، فقد كتبت هذه المقالة :

بياناً لحقيقة العلمانية ، بكشف المخبوء من حقيقتها، وتعرية المستتر من أسرارها ، وإضاءة الـمـنـاطــق المعتمة في حركة العلمانيين ودعوة للنجاة في الدنيا والآخرة ، بقبول شرع الله، ونـبذ كل شريعة يقوم عليها علمانيون يقفون في طريق الإسلام والتوحيد الخالص ، وكأنهم أرباب زائفون . وليكون ذلك ميلاداً جديداً للفرد المسلم والأمة المسلمة ، الأمة التي تحمل رسالتها إلى كل البشرية بالنجاة من الشرك… تلك الرسالة التي عبر عنها في بساطة ربعي بن عامر رسول قائد المسلمين إلى رستم قائد الفرس ، هذا يسأله ما الذي جاء بكم ؟ فيجيب للتو واللحظة:… الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده.

أولاً : العلمانية… وحكم الجاهلية :

حاول اعداء الإسلام القضاء على الإسلام عن طريق نشر الإلحاد… وفشلوا..وحاولوا صرف الناس عـن الإســلام عـن طـريـق الشـيـوعـيـة.. وفـشـلـوا .. وأحس الأعداء اليأس من هذا الدين..ولكنهم، بـعـد التـفـكـر والـتـدبـير، لجأوا إلى طريقة أخبث (لجأوا إلى إقامة أنظمة وأوضاع تتزيا بزي الإسلام ، وتتمسح في العقيدة ، ولا تنكر الدين جملة ، بل تعلن إيمانها به إيماناً نظرياً واحترامها له كعقيدة فـي الحنايا ، وشعائر تؤدى في المساجد،..أما ما وراء ذلك من شؤون الحياة فمرده - بزعمهم - إلـى إرادة الأمــة الـحــرة الطليقة التي لا تقبل

سلطاناً عليها من أحد‍‍!!!

ولما كانت حقيقة العلمانية قـد تخفــى عـلى كثير من المسلمين ، فإنه من واجبنا أن نفضح هذه العلمانية عبر نظرة نلقيها عليها لنتبين من خلالها ما هي العلمانية ؟ وكيف نشأت ؟ لمن حق التشريع المطلق في نظمها ؟ وما هي الشريعة التي تحمل الأمة على التحاكم إليها ؟

1- العلمانية.. التعريف والنشأة :

لـفـظ العلمانية ترجمة خاطئة لكلمة secularism في الإنجليزية ، أو secularite بالفـرنـسـيـة، وهي كـلـمــة لا صـلـة لـهـا بلفظ العلم ومشتقاته على الإطلاق… والترجمة الصحيحة للكلمة هي اللادينية أو الدنيوية، لا بـمـعـنــى مــا يقابل الأخروية فحسب بل بمعنى أخص هو ما لا صلة له بالدين ، أو ما كانت صلته بالدين علاقة تضاد ..

وفي دائرة المعارف البريطانية مادة secularism : هي حـركــة اجـتـمـاعية تهدف إلى صرف الناس وتوجيههم من الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بهذه الدنيا وحــدهـا(1). ولذلك فإن المدلول الصحيح لكلمة (العلمانية) هو: فصل الدين عن الدولة أو هو: إقامــة الحـيــاة على غير الدين ، سواء بالنسبة للأمة أو الفرد ، ثم تختلف الدول أو الأفراد في موقفها من الدين بمفهومه الضيق المحدود ، فبعضها تسمح به ،…وتسمى العلمانية المعتدلة، فهي - بزعـمـهــم - لا ديـنـيـة ولكنها غير معادية للدين ، وذلك في مقابل المجتمعات الأخرى المضادة للدين… وبدهيّ أنه لا فرق في الإسلام بين المسمين ، فكل ما ليس دينياً من المبادئ والتطبيقات فهو فـي حقـيقـته مـضـاد للدين ، فالإسلام واللادينية نقيضان لا يجتمعان ولا واسطة بينهما(2). وإذن فالعلمانية دولـة لا تقــوم عـلـى الـدين ، بل هي دولة لا دينية ، تعزل الدين عن التأثير في الدنيا ، وتحمل الأمة على قيادتها للـدنيـا فـي جميع النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية والقانونية وغيرها بعيداً عــن أوامــر الدين ونواهيه .

والعلمانية دولة لا تقبل الدين إلا إذا كان علاقة خاصة بين الإنسان وخالقه ، بحـيـث لا يكون لهذه العلاقة أي تأثير في أقواله وأفعاله وشؤون حياته.

"ولا شــك أن هذا المفهوم الغربي العلماني للدين على أنه علاقة خاصة بين العبد والرب ، محلها القلب ، ولا علاقة لها بواقع الحياة… جاء من مفهوم كنسي محرّف شعاره "أدَّ ما لقيصر لقيصر، وما لله لله" ، من واقع عانته النصرانية خلال قرونها الثلاثة الأولى ، حين كانت مـضـطـهـدة مـطـاردة مـن قـبــل الامبراطورية الرومانية الوثنية فلم تتمكن من تطبيق شريعتها ، واكتفت بالعقيدة والشعائر الـتـعـبـديـة اضطراراً واعتبرت ذلك هو الدين ، وإن كانت لم تتجه إلى استكمال الدين حين صار للبابـويــة سلطان قاهر على الأباطرة والملوك، فظل دينها محرفاً لا يمثل الدين السماوي المنزل ، فلما جاءت العلمانية في العصر الحديث وجدت الطريق ممهداً ، ولم تجد كبير عناء في فصل الدين عن الدو

المزيد


حديث عن المنهج

يوليو 27th, 2007 كتبها  محمد المصري نشر في , فى المنهج

حديث عن المنهج

د. طارق عبد الحليم

 الحديث "حول" منهج أهل السنة والجماعة حديث تطمئن إليه قلوب المؤمنين وتنشرح له صدورهم ؛ فهذا المنهج هو طريقهم السوي إلى بر الأمان في خضم تلك البدع والأهواء والفتن المتلاطمة التي يجر بعضها بعضاً للقضاء على زمرة أهل الحق.

لـكـن الـحـديـث "حـول" المـنـهج أمر ، والحديث "عن " المنهج أمر آخر… فالحديث حول المـنـهـج، الذي اطمأنت به نفوس المؤمنين في السنوات الماضية قام على الدعوة للرجوع إلى هذا المـنـهـج الـقـديـم وتحبيب الناس فيه ، والتركيز على  أنه لا منهج سوي سواه ، ولا منجى مما يحيق من فتن إلا به .. فهو المنهج الذي أسسه محمد-صلى  الله عليه وسلم-، وهو الذي سار عليه أعلام الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين من أهل الـسـنة والجماعة إلى يومنا هذا ، ما انحرف عنه أحد إلا دخلته بدعة وفارقته سُنة ، وبعد عن القصد ، وقرب مما ليس فيه مصلحة.

أما الـحـديـث "عن" المـنهـج فـهـو يعني: بيان أسس ذلك المنهج .. تقعيد قواعده وتفريع فروعه.. بيان مبادئه وتفصيلاته ، وشرح كلياته وجزئياته .. وهو ما يحتاجه مسلمو اليوم ممن اطمأنوا إلى ضرورة اتباع هذا المنهج والسير على خطاه..

إن "منهج" أهل السنة والجماعة ليس هو "فتاوى" أهل السنة والجماعة أو "مذهب " أهل السنة والجماعة الفقهي أو الحركي.. إنه "أسلوب" في النظر إلى الأمور الثلاثة التي تشكل مـسـار الـدنـيـا ، والـتـي يخـتـلـف عليها الناس في كل آن ومكان: الأفكار، والأشخاص، والأحداث.

 المنهج هو: "طريقة" في البحث والتحري عن الحقيقة - أو بالأحرى: عن الحق - تضيِّق نطاق الخلاف حول تلك الأمور الثلاثة التي ما فتىء الخلاف حولها يهدد كيان المسلمين ويزعزع بنيانهم ، وأهم من ذلك أنه الوسيلة التي تجعل النية والقول والعمل موافقاً لسنة رسول الله-صلى  الله عليه وسلم- ، أو قل إن شئت : "هو تلك الأسس والقواعد الشرعية والعقلية التي يدرب عليها عقل المسلم ؛ فتكون قالباً تُصاغ من خلاله حركاته وسكـنـاته .. أقواله وأفعاله.. إقدامه وإحجامه في كافة شؤون حياته".

إذن ، ما هو ذلك المنهج أو الأسلوب أو الطريقة التي ما زلنا نتحدث عنها وندعو  إليها؟

سـؤال يحـتـاج أن تتجرد له عزائم الرجال ، وتتفرغ له أوقاتهم ، وتشحذ عقولهم لوضع تفاصيل ذلك المنهج وحدِّ حدوده ورسم معالمه.

أنواع المناهج :

نوعان من المناهج يتبعها الباحثون في المجالات العلمية أو النظرية ، تجدر الإشارة  إليها كأحد المعالم الهادية إلى تحديد نوعية المنهج المراد؛ وهما:

أولاً: تلك المناهج التي توضع تفصيلاتها وتحدد معالمها قبل البحث المقصود  إليه أو المراد إنشاؤه ، ويطلق عليها "أسلوب البحث"  إن تعلقت بمبحث علمي ، أو "خطة البحث" إن تعلقت بأمر عملي فـيزيقي ، أو "خطوات البحث" إن تعلقت بأمر عمليّ في مجال الأعمال والتجارة وغيرها. هذه المناهج غالباً ما تكون مقصورة على البحث الذي وضعت لأجله.

ثانياً: تلك المناهج التي تستشف معالمها وتستنبط مبادئها من واقع حالٍ وظروف قائمة وأحداث واقعة - سواء في الماضي أو الحاضر - لتكون هيكلاً في البحث وطريقة في النظر ؛ تتبع فيما يستحدث من وقـائـع أو ظـروف أو أحـداث في المستقبل ، وهو ما نرمي  إليه في الـحـديـث عن مـنهـج أهل السنة والجماعة. وأقرب ما وجدناه من معنى يعبر عن ذلك في معجم المباحث الغربية هو كلمة SCEME.

 هذا النوع من المناهج هو ما استعمله "ديكارت" في كـتـيـبـه الشهـير الموسـوم بـ :

"مقال في المنهج"، وهو الذي نبتت أفكاره من بذور الفكر الذي ساد تلك الحقبة من الزمن، والـذي قـامـت علـى أســاس هـدم الـفـكـر الديني الكاثوليكي، وفصل الدين عن السياسة، والوقوف في وجه طغيان الكنيسة وسـيـطـرتها على مصائر الناس ، مما أشاع فكر "التحرر" و

المزيد