د.جاسم سلطان في مشروع النهضة

فبراير 9th, 2008 كتبها  محمد المصري نشر في , مشروع نهضة الأمة

د.جاسم سلطان في مشروع النهضة

قراءة: عبد الله الرشيد

  في أربعة كتب تناولت قوانين النهضة من الصحوة إلى اليقظة، يضع أمامنا الأكاديمي والباحث القطري جاسم سلطان مشروعه الفكري الذي صاغ فيه نظرية معرفية متكاملة، قدم فيها مشروعه النهضوي لمواجهة التحديات الكبرى التي تواجه الأمة الإسلامية، وسماها بالتحديات الثلاثية، تخلف يحتاج إلى نهضة، واستعمار يتطلب تحريراً، وتفتت يحتاج إلى وحدة. ومن أجل ذلك بدأ كتابه الأول الذي عنونه بـ: "إستراتيجية الإدراك للحراك - من الصحوة إلى اليقظة".
أما الكتاب الثاني فجاء مكملاً للأول، وهو " نحو وعي إستراتيجي بالتاريخ - الذاكرة التاريخية" أما الكتاب الثالث من المشروع فهو: "الفكر الإستراتيجي في فهم التاريخ - فلسفة التاريخ". وبعد الذاكرة والفلسفة التاريخية، ينتقل الدكتور جاسم إلى المحور الثاني من مشروعه النهضوي؛ إذ جاء الكتاب الأخير بعنوان : "القواعد الإستراتيجية في الصراع والتدافع الحضاري - قوانين النهضة".
الدكتور جاسم عمل مستشاراً للتخطيط الإستراتيجي لسلسلة من المؤسسات الحكومية والخاصة، إضافة أنه مستشار في المجموعة القطرية للتعليم والتدريب. ورئيس مجلس إدارة بيت الخبرة للتدريب والتطوير، ومتخصص في تدريس فن الإستراتيجية ونماذج التخطيط الإستراتيجي للمستويات العليا من الإدارة.
حصل على بكالوريوس الطب من مصر، والزمالة البريطانية الأولى من بريطانيا.
وهو مدير الخدمات الطبية بمؤسسة قطر للبترول.
وهنا نقدم لمحة سريعة لمشروع النهضة الذي يراه الدكتور جاسم سلطان الذي قال: فإننا نتقدم بمشروع النهضة، لنجيب عن التساؤلات، ونحدّد الاحتياجات، ونبعث الأمل.
وقبل الدخول في عرض سريع لمشروع النهضة الذي يقدمه الدكتور جاسم سلطان لابد أن نقدم تعريفاً موجزاً للنهضة؛ إذ يقول المؤلف: إن الكثيرين ممن يتحدثون عن النهضة، لا يمتلكون إطاراً يحددون به معنًى للنهضة. فهي كلمة دخلت على اللغة العربية للتماهي مع مصطلح النهضة الذي ورد في التراث الأوربي بمعنى تدفق من الحيوية أثار البشرية الأوروبية، فتبدلت على إثره حضارة أوروبا بكاملها.. إنها دافع داخلي جدّد حياة العقل والحواس والمعرفة والفن أكثر منها مذهباً أو نظاماً.
إن عصر النهضة الأوروبية أو القرن السادس عشر شهد حوادث عظيمة، وتبدّلات عميقة في أنظمة الدول الداخلية، وفي سيماء أوروبا العامة، وتتجلى مظاهر التجديد في أوروبا عصر النهضة، بحوادث كبرى، وتطورات عظيمة، أشبه ما تكون بثورات؛ فكرية، ودينية، وأخلاقية، وسياسية، وتجديدية، في الاقتصاد الجديد. وبدا القرن السادس عشر وكأنه التفاتة نحو الماضي أكثر منها نحو المستقبل، فمفهوم النهضة في الفكر الأوروبي لم يكن قطيعة مع الماضي؛ بل هو تواصل معه، واستجلاب للخيرية التي كانت فيه، ثم انطلاقٌ إلى المستقبل لمحاولة البحث عن فُرَصه، وما يمكن اقتناصه منه.
هذه قضية في غاية الأهمية؛ إذ يدّعي بعضنا بأننا يجب أن نترك الماضي بخيره وشره، وأن نتبنى ما عند الآخر بخيره وشره، وننطلق إلى المستقبل، وهذا أمر لم يحدث حتى في الحضارة التي يقوم البعض بتقليدها والإعجاب بها. فروّاد النهضة الذين تفاخر بهم الحضارة الأوروبية في تلك الفترة، هم القلة التي حملت المشاعل، وبدأت تكشف للناس عن جمال الماضي، وعن إمكانية الفعل في المستقبل، ولم تكن الفئة التي دعت إلى القطيعة مع الماضي، واليأس من المستقبل.
وإذا درسنا رجال الفكر في هذا العصر، رأينا عندهم مفهوماً جديداً للعلم والطبيعة والدين والأخلاق الفردية و الاجتماعية. ومما يجدر ذكره أن هؤلاء الأبطال يشعرون بأنهم في عصر حديث، فالناظر في أعمال هؤلاء المجدّدين في هذا العصر يرى أنهم متقدمون على عصورهم، مما جعلهم عرضة لاضطهاد معاصريهم ممن لا يفهمون آراءهم.
ويعرف الدكتور جاسم النهضة بأنها: حركة فكرية عامة، حية منتشرة، تتقدم باستمرار في فضاء القرن، وتطرح الجديد دون قطيعة مع الماضي. فهي نشاط عقلي فكري في المقام الأول، يحدث في مجتمع من المجتمعات، ويقود إلى الانطلاق في مجالات العمل في شتى جوانب الحياة واكتشاف آفاقها.
وهذه الحياة الجديدة وهذا التصور الجديد لإمكانية الفعل التاريخي، ولإمكانية النظر للكون بمنظار جديد، هي السمة الأساسية لما يسمى بعصر النهضة، وهي في الوقت نفسه ليست حركة في أرض منسابة سهلة، بل هي حركة تقودها النخب؛ فتتعرض للاضطهاد والتنكيل والمقاومة كجزء من ضريبة هذا الوضع النهضوي الذي يتحرك فيه المجتمع. كما أنها تشمل مجالات العلم والدين والسياسية والاقتصاد والاجتماع والتعليم.

ـ لماذا مشروع النهضة؟
يجيب الدكتور جاسم عن هذا السؤال قائلاً: إن المرحلة التاريخية المقبلة للأمة تشهد تحولات كبيرة وجذرية، وعملية الانتقال إلى وعي مكافئ للمرحلة يقتضي عملاً جاداً يمكن أن نطلق عليه الانتقال من طور الصحوة إلى طور اليقظة، وهذا هو جوهر هذا المشروع الذي يعالج قضايا الفكر الرئيسة التي تثيرها التحوّلات الكبيرة الجارية، وذلك بغرض خلق مرجعية ذات وزن في الأمة، ويعالج أيضاً تنظيم الخارطة المعرفية عند المهتمين بمصير الأمة ومآلها.. بغرض تنظيم قراءة الواقع واتخاذ قرارات بشأنه.
إن إيجاد المرجعية الفكرية للأمة وحده لا يكفي؛ بل لابد أن يلازمه تنظيم الخارطة العقلية للمتلقين لمشروع النهضة حتى يحسنوا العمل، فالحكم على الشيء فرع عن تصوره

المزيد


نموذج التحديات الثلاث

فبراير 9th, 2008 كتبها  محمد المصري نشر في , مشروع نهضة الأمة

 

 

 لتحميل شرح النموذج بوربوينت اضغط هنا


عودة إلي الانحرافات …..والعلاج هو ..؟

يناير 4th, 2008 كتبها  محمد المصري نشر في , مشروع نهضة الأمة

عودة إلي الانحرافات …..والعلاج هو ..؟

وبعد فقد تكلمنا ومازلنا نتكلم عن الانحرافات الكثيرة التي حدثت في حياة المسلمين في مسيرتهم الطويلة خلال التاريخ .

وكل انحراف وقع في حياتهم نتيجة البعد عن المنهج الرباني كانت له ولا شك عاقبته البطيئة أو السريعة حسـب نوع الانحراف ، ودرجة تفشيه ، وموقف الأمة منه بحكامها وعلمائها وعامتها .. حتى إذا وصل الانحراف إلى حده الأقصى كانت عاقبته ما نراه اليوم من ضعف ومذلة وخوف ، بدلا من الاستخلاف والتمكين والتأمين .

وهنا نتحدث عن نوع معين من الانحراف ، قد يكون هو الأشد خطرا في حياة المسلمين في الوقت الحاضـر ، أو قد يكون هو الخلاصة التي آل إليها الانحراف التاريخي كله ..أنه الانحراف في " المفاهيم " و"التصورات "*.} محمد قطب حفظه الله "مفاهيم ينبغي أن تصحح " طبعة دار الشروق .{

وخاصة الانحراف في التصور العقدي، فالناس في هذه الأيام بحاجة إلى بناء العقيدة من جديد، وإلى تصحيح التصور الإعتقادي، فلا بد من إفراد الله -سبحانه- بالإلوهية، ولا بد من أن تستقر عظمة الله عز وجل في الأعماق، وأن يعمر النفوس حبه، ولا مناص من أن تحيا القلوب وهي تستشعر هيبته وجلاله.

ويقوم هذا الدين على:

1-حقيقة الألوهية. 2-حقيقة العبودية. 3-الصلة بين العبد وربه.

هذه أمور ثلاثة لا بد من استقرارها في النفوس: معرفة الله وقدره، ومعرفة العبد وحده، والصلة بين الخالق والمخلوق.

وعلى هذا فإنه من العبث تتبع فروع الشرع وطلبها من شخص لا ترسخ في قلبه حقيقة هذا الدين، ولا تستقر في كيانه عظمة الله التي تهيمن على كل سكنة ونأمة وحركة في هذا الكون.

والحق أن الناس اليوم غابت عنهم حقيقة هذا الدين العظيم، ومثل كثير منهم كمثل الأعمى الذي أمسك بذنب الفيل ويحسب أنه يمسك بين يديه جسم الفيل، حتى إذا طلبت منه أن يصف لك الفيل انبرى يصوره بأنه شعرات مرتبطة بعضلة قاسية، ولواجتمع أهل الأرض لإقناعه أن الفيل سوى ذلك ما استطاعوا أن يصرفوه عن ظنه.

فإن أي جهد نبذله في تصحيح السلوك وحده - مع بقاء المفاهيم منحرفة - لن يؤتي ثماره كاملة ، ولن يخرج الأمة من وهدتها التي انتكست إليها في عصرها الحاضر . إنما نحتاج أن نبذل جهدا مضاعفا لإزالة الغربة الثانية كالجهد الذي بذلته الجماعة الأولى من المسلمين لإزالة الغربة الأولى للإسلام .

و على هذا فإني أرى أن التركيز على مسائل فرعية من الشريعة بالنسبة للناس أمر غير منطقي، بل محاولة عابثة لاستنبات البذور في الهواء، ولا يمكن أبدا بتجميع أغصان نضرة مع بعضها في الهواء أن يتكون منها شجرة ذات جذور ضاربة في أعماق الأرض، لا بد من سلوك المنهاج الرباني الذي رسمه ا

المزيد


الإسلام وصناعة النهضة

يناير 4th, 2008 كتبها  محمد المصري نشر في , مشروع نهضة الأمة

الإسلام وصناعة النهضة :

 

الأستاذ/أحمد آل عبد الغني .

الإسلام يريد، أن يعرف الإنسان معنى النهضة، ومفهوم الحضارة، وحقيقة الحياة وكيف يصنعها الإنسان.. قبل أن يهيم على وجه في أي طريق أبصره..

إن الحياة التي يعرفها الإسلام: هي الحياة الأبدية.. وهي إما في الجنة وإما في النار، وينظر إلى الحياة على الأرض، على أنها رحلة قصيرة.. قصيرة جداً، بالنسبة لحياة الإنسان الأبدية، ويعتبرها ـ باختصار ـ " اختبار " للإنسان عليه يَتحدد مصيره الأبدي.

ثم يلتفت إلى مفهوم الحضارة، فيحددها بأنها: إقامة الخلافة الراشدة على الأرض، وفق منهج الله تعالى، فيُعّرف ـ وفق تكوين الإنسان ـ الحضارة بأنها: البناء القيمي الروحي، والبناء المادي العمراني..

وعلى الإنسان أن يكدح في هذه الحياة، ليقيم تلك الحضارة، وفق مفهوم الإسلام.

ثم يقول للإنسان: كي تصنع الحياة، عليك أن تستجمع كافة الأضواء التي وضعها الإسلام، كي تبصر الطريق أولاً.. فلا تبني في الفراغ، أو تمضي في التيه، وإذا أبصرت الطريق، فاعلم أن للحياة سنن وقوانين، عليك بمعرفتها كي لا تصطدم بها، حتى تستطيع التنمية والبناء الحقيقي.

ولا يتوقف الإسلام عند هذا الحد، إنه على معرفة بالنفس الإنسانية..

إنه يُنبه الإنسان، كي لا تأخذه نشوة وأحلام "التنمية والبناء" أن يعرف الواقع الذي يعيشه، وفي أي مرحلة هو، كي يتسنى للإسلام ـ كمنهج ـ أن يحدد له الطريق الصحيح.. وعلى أساس الواقع الذي تعيشه الجماعة أو ا

المزيد


طبيعة الفساد في عالمنا العربي الإسلامي !!

يناير 4th, 2008 كتبها  محمد المصري نشر في , مشروع نهضة الأمة

طبيعة الفساد في عالمنا العربي الإسلامي !!

الفساد في عالمنا العربي الإسلامي، ظاهرة كلية، أي أنها مرتبطة بالمنظومة العامة في المجتمع. فالفساد في مجتمعاتنا ليست مشكلة أخلاقية.. إنما أصبح من صلب ثقافة المجتمع. وجزءاً من التركيبة الاجتماعية.

وإن الفساد بهذا المعنى لا يتعلق فقط بالمال العام الذي يتحول إلى مال خاص، لكنه ظاهرة ذات أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، تصب كلها في محاولات احتكار السلطة السياسية والسلطة الاقتصادية من جانب النخب المسيطِرة ومريديها. كما تعمل آليات الفساد والبنى المجتمعية التي تفرزه على ظهور وانتشار القيم التي تبرر وتساند كل أشكال الفساد ووسائله، وتصبح القيم السائدة من قبيل أن "الغاية تبرر الوسيلة"، و"معاك قرش تساوي قرشاً".

ولذلك يُلاحظ أن فاسدي هذه الأيام لا يشعرون بالخجل أو العار حين يتم كشفهم، خاصة في حالة نجاحهم في تهريب الأموال المنهوبة إلى الخارج، حيث يعتمدون عليها في إعادة الاحترام إليهم مرة أخرى في مجتمع أصبح الناس فيه يُقاسون بما يملكون وليس بما يفعلون. وهنا يصبح الفساد جزءاً من الثقافة السائدة.

إن الفساد بهذا المعنى الشامل يصبح ظاهرة كلية تتشابك مع كل قطاعات المجتمع وعلاقاته بدءاً من الدولة إلى علاقات الأفراد والجماعات، مروراً بالمؤسسات الرسمية التشريعية والتنفيذية والقضائية، وأيضاً مؤسسات الثقافة والإعلام والمجتمع المدني وانتهاءً بالأفراد في تعاملاتهم اليومية.

ولا يختلف أحد على أن كافة المجتمعات في الشرق والغرب تحتوي على قدر معينّ من الفساد، إذ لا يوجد على وجه البسيطة ذلك "المجتمع الفاضل" الذي يخلو تماماً من الفساد والمفسدين. ولكن القضية التي تشغل بال المجتمع العربي هذه الأيام، ليست بالتحديد وجود قدر ما من الفساد في معاملاتنا اليومية، بل حجم الفساد واتساع دائرته وتشابك حلقاته وترابط آلياته بدرجة لم يسبق لها مثيل من قبل، مما يهدد مسيرة التنمية ومستقبل مجتمعنا العربي في الصميم.

ولعل ما أفصحت عنه بعض وقائع قضايا الفساد المالي والإداري خلال السنوات الأخيرة في العديد من الأقطار العربية، يدل على مدى تغلغل قيم الفساد وممارساته في كافة مناحي حياتنا الاقتصادية والاجتماعية، والسياسية، والإدارية.

فعندما يغدو لكل شيء ثمن يُقاس بالجنيهات والدولارات، وعندما يغدو للقيام بواجب وظيفي ثمن، ولإجراء معاملة مع إدارات الدولة ثمن، ولتصريف أعمال الحكم ثمن، ولتلزيم المشاريع العامة ثمن، وللنفوس في الانتخابات ثمن، وللكلمة في وسائل الإعلام ثمن، وللتشريع عند مفاصل معينة ثمن، ولحكم القضاء في بعض الحالات ثمن، وعندما يغدو لكل شيء ثمن، فإن الفساد قد أضحى في حياتنا العامة من صلب ثقافة المجتمع، وأن يكون المجتمع في تلك الحال قد ابتُلي بما نسميه "ثقافة الفساد".

فيصبح المال معياراً للنجاح، ومعياراً للإنجاز، ومعياراً للوجاهة والسطوة. بل وأضحى المال الوسيلة لإحقاق الحق أو بلوغ مأرب أو الفوز بمنصب، ولم يعد للشعور بالواجب مكان، ولا للمسؤولية العامة اعتبار، ولا للضمير الوظيفي أو المهني دور، ولا للالتزام الوطني وزن.

وثقافة الوساطة هي من صلب ثقافة الفساد. فالمرء في عالمنا العربي الإسلامي ! لا يصل في أكثر الحالات بكفاءته أو جدارته أو مزاياه، بل بواسطة أصحاب الحل والرابط، أصحاب السطو والنفوذ اللذين يقبضون على أزِمّة السلطة. وحتى المسؤول عن إدارة معينة، حتى الأستاذ في المدرسة أو الجامعة، حتى الطبيب في المؤسسة الصحية، حتى صاحب الاختصاص في لجنة تقنية، فإنه لا يصل إلى موقعه في غالب الأحيان إلا بواسطة. وكذلك صاحب الحق لا يضمن حقه المشروع إلا بالواسطة. وغالباً ما تقترن الواسطة بثمن.

وعندما يبلغ الفساد هذا المبلغ من التفاقم تتعطل إلى حد بعيد آليات الرقابة في الدولة، ويخبو وازع المساءلة والمحاسبة. فالناخب لا يحاسب النائب بل يعاود انتخابه بصرف النظر عن أداته أو سمعته، والنائب لا يحجب الثقة عن حكومته، فهو ينتقدها بأقذع العبارات ثم يصوّت لها ولمشاريعها، والحكومة لا تحاسب الإدارة مع علمها بالفساد المستشري في أوصالها وهي أصلاً غير بريئة من استشرائه، ويد القضاء لا تطال المسؤولين في الدولة مهما قيل أو عُرف أو شاع عنهم. حتى هيئات الرقابة الإدارية، بما فيها مجلس الخدمة الدينية وهيئة التفتيش المركزي وديوان المحاسبة، كلها شبة معطلة، إما بفعل الفساد الغامر الذي تجاوز في أبعاده قدرتها على الإحاطة أو المعالجة أو الضبط، أو لأن الدم الفساد أخذ يدب في عروق بعضها.

عندما يغدو الفساد من صلب ثقافة المجتمع يصعب علاجه. فالفساد لا يُنتج إلا مزيداً من الفساد. والفاسد لا يرى في فساده عيباً.. ومن هنا نقول إن الفساد يشكل طوقاً يحتاج إلى من يكسره بقوة خارقة. وإذا تركت الأنظمة العربية الحاكمة على غاربها، أو على فسادها، فقد لا تتولد القيادة السياسية الكفيلة بكسر الحلقة الجهنمية. ونصبح في دائرة مغلقة من الفساد، ويستمر الفساد إلى ما شاء الله.

الأمية في عالمنا العربي الإسلامي !!:

بلغ عدد المتخرجين في الجامعات العربية، عشرة ملايين خريج عام 1997، وكانت نسبة المتخصصين في العلوم من مجمل هؤلاء لا تتجاوز 29 %، أما نسبة الإنفاق الإجمالي على التعليم في الأقطار العربية فهي لا تتجاوز 1 % من ميزانياتها، وفي عام 1996 كان هناك 60 مليون عربي لا يجدون سبيلاً للمعرفة، و9 ملايين طفل عربي خارج التعليم الابتدائي، و15 مليون شاب عربي خارج التعليم الثانوي، و60 % من النساء العربيات لا يُجدن القراءة والكتابة، و44 % من الرجال لا يجيدون القراءة والكتابة. وقدرت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، أن عدد الأميين في العالم العربي ضخم، ويصل إلى سعبين مليون شخص في هذا العام 2005، وقد ورد هذا الرقم في التقرير الذي قدم في اجتماع مجلسها التنفيذي الأخير. وأشار التقرير أيضاً إلى أن هذه النسبة تكاد تعادل ضعف المتوسط العالمي للأمية، كما ورد في التقرير أن عدد الإناث في الرقم المذكور، يقترب من ضعف عدد الذكور. وكانت منظمة "اليونيسيف" قد أعلنت، في تقرير مشترك، مع جامعة الدول العربية، صدر في 11 إيرايل 2005، أن "هناك أكثر من 10 ملايين طفل في العالم العربي خارج إطار النظام المدرسي"..

وهنا تجب الإشارة إلى أن الأطفال، يشكلون ما يقرب من نصف عدد السكان في بعض دول العالم العربي، ويتزايد تعداد السكان العرب بصورة سريعة، حيث ينتظر أن يصل عددهم إلى ما يقرب من 400 مليون نسمة بحلول العام 2015.

لقد أضاف التقرير المشرتك، أن هناك أكثر من نصف النساء في العالم العربي يجهلن القراءة والكتابة، الأمر الذي يحول بينهن وبين الوصول إلى مصادر المعلومات والمعرفة التي يمكن أن تؤدي إلى تحسين حياتهن وحياة أطفالهن، ويحول دون الحصول على الخدمات الصحية الرئيسية، والخدمات الاجتماعية المختلفة.

إنتاج الدول العربية:

تتألف منظمة المؤتمر الاسلامي من 57 دولة وتمتد ما بين إندونيسيا والمغرب ويبلغ عدد سكانها جميعا حوالي 1.3 مليار نسمة.

إلا أن إجمالي الناتج القومي لهذه الدول جميعها أقل من نصف الناتج القومي لألمانيا كما أن معدلات الأمية بها من أعلى النسب في العالم. ويمثل الانفاق على البحث العلمي 0.2 بالمئة فقط من اجمالي الناتج القومي.

إلا أن هذه الدول تحتضن ثلاثة أرباع احتياطي وقود العالم وربع الموارد الطبيعية الأخرى به.

مظاهر الفساد في البنية الاجتماعية للمجتمعات العربية الإسلامية !!

مظاهر الفساد السياسي:

لو تناولنا بداية التحليل أولي تلك المؤسسات وهي "المؤسسة التشريعية"، لوجدنا أن غالبية البرلمانات العربية أو المجالس التمثيلية لا تحقق الغاية التي أنشئت من أجلها، فهي في حقيقتها لا تعدو أن تكون مجالس استشارية، لم يصل أغلب أعضائها إلى المقعد النيابي عن طريق صندوق الاقتراع، وإن كانوا مرّوراً عليه صورياً، بل أوصلتهم محاباتهم لسدة الحكم، مما أسهم، وبشكل ملموس في العديد من البلدان العربية، أن يتولى شخص من أصحاب الولاء المطلق رئاسة تلك المجلس لفترة ليست بالقصيرة ولعدة دورات متتابعة، يكون على الأغلب إما أحد أعضاء حزب الرئيس الحاكم البارزين، أو قريبه، أو صهره، أو من أفراد عشيرته، إلى غير ذلك من وسائل الاتصال والاقتران والمحسوبية.

فضلاً عن ذلك النموذج، ففي الأنموذج العربي للمجالس التمثيلية قد لا تجد أحزاباً متنافسة ولا تعددية حزبية، حيث يمنع النظام السياسي كل شكل من أشكال الحزبية والتنافسية السياسية القائمة بينهما، وهو ما تنص عليه الكثير من الدساتير العربية التي إما صدرت بمنحة من الحاكم، أو وردت برغبة أجنبية خارجية رسمت خارطة الطريق إلى تلك البرلمانات المدجّنة، مما يفقدها قدراتها وسلطاتها في مساءلة برلمانية جادة، وحث على تشفيف العمل الحكومي، ومراجعة وإقرار الميزانية العامة أو إبداء رأيها بشأن قرارات خطيرة كقرارات الحرب.

لذلك نجد أن الكثير من حوادث الفساد والنهب المنظّم اقترفها من يسمون أنفسهم بممثلي الشعب، الذين وجدوا أنفسهم في مقاعد نيابية صورية للمصادقة على نهب الحاكم المستبد، فآثروا استغلال مواقعهم للإسراع بقضم ما يستطيعون من كعكة المال العام، تحت ستار مصلحة الوطن والمواطن، والحفاظ على المصلحة العامة التي أصبحت في واقعنا العربي مجرد كلمة من التراث. من ناحية ثانية وبنظرة تحليلية لسلطة أخرى من السلطات الثلاث هي "السلطة التنفيذية"، نجد أنها في النظام السياسي العربي تشغل موقع السلطة المهيمنة على باقي السلطات، حيث يتمتع "الحاكم" فيها بصلاحيات تكاد تكون شبه مطلقة، تعطيه دوماً كلمة الفصل الأخير في جميع القرارات والتشريعات، بحكم ما خوله وأتاحه له الدستور "الذي أضفى عليه كل اللمسات الفنية الجميلة التي تجعل من منصبه مركزاً مطلقاً يسمك بزمتم جميع الأمور".

إضافة إلى السلطات المطلقة للحاكم في النظام المذكور، أصبح ذلك النظام وفي الكثير من الدول العربية يعمل وفق آلية "الأسرة الحاكمة" و"توارث العروش"، مهما كان الشكل الذي وصل فيه الحاكم إلى السلطة: (ثورة شعبية، انقلاب عسكري، إقصاء حاكم، انقلاب الولد على أبيه، ولاية عهد.. الخ). الأمر الذي يستبعد الشعب ويصادر رأيه التام في اختيار حكامه، مما يتنافى مع قواعد الحكم الصالح التي ينبغي السير على نهجها. وفي الإطار ذاته "للسلطة التنفيذية"، نرى الحكومة في الوطن العربي شأنها شأن منصب الحاكم، يستمر من يتولى فيها منصب وزاري لفترات ليست بالقصيرة، بالإضافة إلى أنه يُعهَد الحقائب المهمة في الوزارة إلى إفراد مضموني الولاء سلفاً، ويكونون في الأعم الأغلب من أفراد الأسرة الحاكمة. أم المناصب الأدنى مستوى من الحقيبة الوزارية في السلطة التنفيذية، فيشغلها دوماً المؤهل من أصحاب العلاقات القرايبّة، أو من يشملهم مبدأ المحاباة، وهي امتيازات تجعل من يتولى المناصب الإدارية يتمتع بالحصانة من المساءلة بحكم صِيغ الارتباط السالفة.

لذلك تكون أبواب المال العام مفتوحة بلا رقيب أمامه، ويكون المنصب الحكومي تشريفاً له للإثراء على حساب غيره.

إن نموذج الحكم في البلاد العربية هو نموذج "الرئيس ـ العملاء"، حيث الوزير خادم للحاكم، وللوزير مطلق الصلاحية في تعيين من يشاء وصرف من يشاء، والمناصب في وزارته أصبحت مخصّصة لأعضاء عصبته، تاركاً بقية الكادر مهما كانت درجة قدراته وكفاءته مهمشاً، إن لم يُطرد ليكون على قارعة الطريق، أم المفتش العام في الوزارة فهو من خاصة الوزير ومحل ثقته كيفما ينبغي الأخير. هذا بالإضافة إلى سيادة منطق "الوزير ابن ناس" من قِبل أصحاب الاختصاص وكذلك الذين يشغلون المناصب الرفيعة في النظام السياسي، الذين هم من اختاروا أولئك الوزراء. ولعل الأدهى من كل ذلك أن غالبية الوزراء من أصحاب الشركات خارج الوطن التي جاءت لتأخذ عقود الاستثمار في الوطن الجريح.

إن صيغ الانتهاكات وتراجع المؤسسات (التشريعية) و(التنفيذية) يتزامن معها ويعزّزها ضعف النظام القضائي، وخضوعه للسلطة التنفيذية في أحيان كثيرة، بدلاً من وجوب تمتعه بالاستقلالية التامة عن عمل السلطتين أعلاه. مضافاً إليه شبه انعدام القوانين التي تحد من الفساد بشكل واضح وصريح.

ومن هذه الآثار:

- حظر الانتخابات تماماً أو السماح بها فقط على مستوى المحليات، كما هو الحال في السعودية والإمارات.

- إجراء الانتخابات إما لمجلس لا يتمتع بسلطات تشريعية كاملة، أو لمجلس يتقاسم هذه السلطة مع مجلس آخر معين، وتنطبق الحالة الأولى على البحرين وعُمان، وتنطبق الثانية على الأردن.

- إجراء الانتخابات فقط بين الأحزاب المقبولة لدى الحاكم، مع وضع سقف مصطنع لا تتجاوزه الأحزاب الأخرى، سواء أكانت أحز

المزيد


أحوال الأمة في القرنين الأخيرين

يناير 4th, 2008 كتبها  محمد المصري نشر في , مشروع نهضة الأمة

أحوال الأمة في القرنين الأخيرين :

 

إعداد/مؤسسة الرواد لشؤون المجتمع المسلم القادم

تمهيد:

نريد في هذا التمهيد أن نبين الأمراض التي أصابت الأمة في الفترة الأخيرة من تاريخها، والتي واجهتها حركات الإصلاح لتحاول علاجها، كلٌُّ منها بمنهجها الخاص.

وليس من الضروري أن تكون هذه الأمراض قد نبتت كلها في هذه الفترة الأخيرة من التاريخ، بل قد نجد بعضها قد نبت قبل ذلك بقرون عدة، ولكنها تجمعت في هذه الفترة الأخيرة بصورة لا مثيل لها من قبل، حتى كادت تعصف بالأمة عصفاً حين حولتها إلى غثاء كغثاء السيل، وحين تداعت عليها الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها.

وقد نختلف في تصنيف الأمراض، وفي ترتيبها حسب خطورتها من وجهة نظر كل منا، ولكني أعتقد أننا لن نختلف على المجموع ! فسواء وضعنا مرضا معينا على رأس القائمة أو في ذيلها، وسواء جمعنا جمعا رأسيا أو جمعا أفقيا فالحصيلة النهائية لن تكون موضع اختلاف، أو ينبغي ألا تكون موضع خلاف، إذا حرصنا على التفتيش الدقيق في كل ركن من أركان الحياة، ودققنا النظر فيما قد يخفى لأول وهلة من العيوب..

من وجهة نظرنا سنضع أمراض العقيدة على رأس القائمة، ثم نضع أمراض السلوك، ثم نضع النتائج التي ترتبت على أمراض العقيدة وأمراض السلوك، ونستخرج الحصيلة النهائية في نهاية المطاف.. وقد يرى غيرنا غير ما رأينا، ويرتب الأمراض ترتيبا آخر، حسب تقديره لخطورتها من وجهة نظره.. وقد يؤدي هذا إلى خلاف في تقدير نوع العلاج المطلوب لهذه الأمراض، ولكنه كما قلنا في الفقرة السابقة لا يؤثر في المجموع النهائي، ما دام الكل داخلا في التعداد !

أمراض العقيدة:

العقيدة هي:" لا إله إلا الله، محمد رسول الله". ومعيار الصحة والمرض، الذي نقيس به حال الأمة في فترتها الأخيرة، هو صورة هذه العقيدة كما أنزلت من عند الله، وكما علمها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه رضوان الله عليهم، وكما طبقتها الأجيال الأولى من هذه الأمة، مقارنة بما صارت إليه عند الأجيال الأخيرة من المسلمين. وإذا عقدنا المقارنة على هذا النحو فسنجد مجموعة من الأمراض قد أصابت مفهوم لا إله إلا الله خلال المسيرة التاريخية للأمة، أفرغتها في النهاية من مضمونها الحقيقي، ومن شحنتها الدافعة، وحولتها إلى كلمة تقال باللسان، والقلب غافل عن دلالتها، والسلوك مناقض لمقتضياتها.

(1) أول هذه الأمراض هو الفكر الإرجائي الذي يخرج العمل من مقتضى الإيمان، والذي يقول: الإيمان هو التصديق، أو هو التصديق والإقرار، وليس العمل داخلا في مقتضى الإيمان.

وليس بنا هنا أن نناقش هذه القضايا، قد ناقشناها مناقشة تفصيلية في مجموعة من الكتب من قبل؛ إنما نحن هنا نعدها عداً فحسب (1) ! } راجع إن شئت : " واقعنا المعاصر " " مفاهيم ينبغي أن تصحح " " لا إله إلا الله عقيدة وشريعة ومنهاج حياة " " كيف ندعو الناس " " حول تطبيق الشريعة {

(2) ثاني هذه الأمراض ولا يقل عنه خطورة الفكر الصوفي، الذي يطمع العبد في رضا مولاه إذا أدى مجموعة من الأوراد والأذكار، وأطاع الشيخ واتبع هواه، دون القيام بالتكاليف التي فرضها الله، وخاصة الجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والسعي إلى تقويم المجتمع. وهذا بالإضافة إلى تضخم الشيخ في حس المريد، حتى يصبح واسطة بين العبد ومولاه، وبالإضافة إلى توجيه ألوان من العبادة إلى بشر من الأموات والأحياء لا توجه إلا لله، من النذر والاستعانة والاستغاثة والذبح والطلب والرجاء..

(3) الانحسار التدريجي في مفهوم العبادة من كونه شاملا لكل حياة الإنسان لقوله تعالى: [قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ..]  إلى انحصاره في الشعائر التعبدية وحدها (دون بقية الأعمال) إلى تحول الشعائر ذاتها إلى أعمال تقليدية تؤدَّى بحكم العادة دون وعي حقيقي بمقتضياتها، إلى إهمالٍ لبعض الشعائر.. وانتهاء بالخروج من أدائها جملة، حتى الصلاة!

(4) تحول عقيدة القضاء والقدر من عقيدة نافعة تدفع صاحبها إلى الإقدام والشجاعة في مواجهة المواقف، إيمانا بقوله تعالى: [قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ].  

إلى عقيدة مخذلة، صارفة عن العمل، بدعوى أن ما لك سوف يأتيك، وأنك مهما عملت فلن تحصّل إلا ما هو مكتوب لك، فلا ضرورة للعمل ! وتحولها من عقيدة تحمل الإنسان مسئوليته عن عمله حين يخطئ أو يقصر، إلى مَحطٍّ يحط الإنسان عليه تقصيره وإهماله، بحجة أن كل شيء مقدر ! ومن عقيدة تحث الناس على العمل على تغيير الواقع أملاً في واقع أفضل إلى عقيدة تحث الناس على الرضا الخانع بالواقع السيء لأنه من قدر الله، ومحاولة تغييره تمرد على قدر الله !

(5) تحول التوكل على الله من شعور إيجابي، تصحبه العزيمة وإعداد العدة، لقوله تعالى: [فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ] إلى شعور سلبي متواكل لا يأخذ بالعزيمة ولا يتخذ الأسباب.

(6) تحول الدنيا والآخرة في حس الناس إلى معسكرين منفصلين، العمل لأحدهما يلغي العمل للآخر، بعد أن كان في حس المسلم أن عمله في الدنيا هو سبيله إلى الآخرة، وأنهما ليسا طريقين منفصلين ولا متضادين ولا متعارضين، إنما هو طريق واحد أوله في الدنيا وآخره في الآخرة، عملا بقوله تعالى: [وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا]،  وقوله تعالى: [هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ] وأن كل عمل المسلم هو للدنيا والآخرة في ذات الوقت بغير انفصال.

(7) تحول الخلاف المذهبي من كونه اختلافاً في وجهات النظر، إلى عصبيات تشغل أصحابها وتفرقهم بعضهم عن بعض حتى في الصلاة.

(8) نشأة الفرق بتأويلاتها الفاسدة وخلافاتها الحادة في قضايا الصفات، وقضايا القضاء والقدر، وقضايا الجبر والاختيار.. وشغل الناس بهذه التأويلات الفاسدة عن صفاء العقيدة وسلاستها ووضوحها وبساطتها، إلى قضايا تستهلك الطاقة ولا تؤدي في النهاية إلى ثمرة في عالم الواقع.

(9) ضعف الإيمان باليوم الآخر، وانحسار فاعليته في مشاعر الناس وتصرفاتهم.

أمراض السلوك:

في الإسلام يرتبط السلوك ارتباطاً وثيقاً بالعقيدة. ذلك أن مقتضى العقيدة هو الالتزام بما أنزل الله. وما أنزل الله يشمل الحياة كلها بجميع جوانبها، وكل شيء في حياة الإنسان داخل بالضرورة في أحد الأبواب الخمسة التي تشملها الشريعة، فهو إما حرام وإما حلال وإما مباح وإما مستحب وإما مكروه. ومن ثم ينطبق قوله تعالى الذي أشرنا إليه آنفا [قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي]، ينطبق على واقع الحياة كله. وكل مخالفة لما أنزل الله هي نقص في الإيمان. فالإيمان يزيد وينقص. يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، وقد ينتقض انتقاضا كاملا من أصوله إذا أتى الإنسان أعمالا معينة، يعرفها الفقهاء لا مجال هنا للخوض فيها، إنما نثبت فقط هذه الحقيقة وهي أن قول المرجئة: إن كفر العمل على إطلاقه لا يخرج من الملة. غير صحيح ! فالسجود إلى الصنم عمل وهو مخرج من الملة، وسب الرسول صلى الله عليه وسلم عمل، وهو مخرج من الملة، وإهانة المصحف عمل، وهو مخرج من الملة، والتشريع بغير ما أنزل الله عمل، وهو مخرج من الملة، وموالاة الأعداء ومناصرتهم على المسلمين عمل، وهو مخرج من الملة.

ونعود إلى أصل القضية، وهي ارتباط السلوك بالعقيدة في الإسلام، بحيث لا يند عنها عمل واحد يأتيه الإنسان بوعيه وإرادته: "حتى اللقمة التي ترفعها إلى في زوجتك كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم ، وحتى ما يبدو أحيانا أنه عمل أرضي بحت. يقول عليه الصلاة والسلام: " وإن في بضع أحدكم لأجرا. قالوا: إن أحدنا ليأتي زوجه شهوة منه ثم يكون له عليها أجر ؟ قال: أرأيت لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر ؟ فإذ وضعها في حلال فله عليها أجر".

ومن ثم يكون المؤمن الحق على ذكر دائم لربه في كل لحظة من لحظات وعيه:[إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ].أي في جميع أحوالهم..

وليس معنى ذلك أن المؤمن الحق لا يسهو ولا ينسى ولا يخطئ.. فكل بني آدم خطاء كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن المؤمن حين يسهو أو ينسى أو يخطئ لا يلج في الغواية، إنما يعود فيذكر ربه ويستغفر:[وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ، أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ].فالاستغفار سلوك متصل بالعقيدة يمحو الله به السيئات..وهكذا يكون المؤمن فـي جميع أحواله في دائرة العقيدة، بفكره ومشاعره وسلوكه.

وخلاصة القول أن المعاصي نقص في الإيمان، وإن كان صاحبها لا يخرج من الملة إلا إذا استحلها، وإذا كانت معصيته من النوع الذي يخرج صاحبه من الملة.

وفي مسيرة الأمة الإسلامية تكاثرت مع مضي الزمن المعاصي الدالة على نقص الإيمان (والمزيلة للإيمان في بعض الأحيان) وإن كان خط السير كان دائم التذبذب بين الصعود والهبوط. ولكنه في القرنين الآخرين وصل إلى حضيض لم يصل إليه قط من قبل.

والهبوط وكثرة المعاصي ليس أمراً من لوازم الحياة البشرية التي لا فكاك منها..

فلئن كان التفلت من التكاليف والميل مع الشهوات نقطة ضعف في الكيان البشري، فقد وضع الله لها علاجاً شافياً في منهجه الرباني، حيث قال سبحانه:[وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ].

والتذكير ليس كله وعظاً كما ظنت الأمة في فترتها الأخيرة ! إنما الوعظ على ضرورته دواء مكتوب عليه "لا تتجاوز المقدار" !!

يقول الصحابة رضوان الله عليهم: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة (أي بين الحين والحين) مخافة السآمة !

إنما التذكير يكون بالقدوة الحسنة مع الموعظة.. وقبل الموعظة.. وبعد الموعظة !

[لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً].

والذي حدث في تاريخ الأمة أن التذكير بالقدوة الحسنة قد قلت نسبته وإن بقي الوعظ فتكاثرت المعاصي وحدثت أمراض كثيرة في السلوك.

ومهمتنا هنا على أي حال هي تسجيل أمراض السلوك كما سجلنا من قبل أمراض العقيدة، ولكن كان لا بد من الإشارة التي أشرناها إلى ارتباط السلوك بالعقيدة في الإسلام، لأن الفصل بين الأمرين هو من الأمراض التي أصابت الأمة على يد الفكر الإرجائي، الذي سبقت الإشارة إليه في أمراض العقيدة !

وقائمة أمراض السلوك قد تطول ! ولكنا هنا نكتفي بذكر أبرزها:

(1) خلف المواعيد والاستهانة بالوعد كأنه غير ملزم لصاحبه، إنما هو مجرد كلمة يطلقها في الفضاء!

(2) الكذب.. وفي كثير من الأحيان بغير موجب للكذب !.  (3) الغيبة والنميمة.

(4) الالتواء في التعامل مع الآخرين، وتجنب الاستقامة، واعتبار ذلك من البراعة !

(5) عدم الأمانة في العمل: في الصغير والكبير، الغني والفقير، "العظيم" والحقير.. إلا من رحم ربك.

(6) عدم احترام الوقت.. والتفنن في تضييعه و"قتله" بشتى الطرق، وأهونها الفراغ الطويل الذي لا يمل منه صاحبه، ولا يشعر فيه أنه قد أضاع شيئا ثمينا كان يجب أن يحرص عليه.

(7) ضعف الهمة للعمل وعدم الرغبة في بذل الجهد.. إلا كرها !

(8) عدم الرغبة في الإتقان.. وقضاء الأمور في أقرب صورة "لسد الخانة".. وحتى هذه فلا يقوم بها صاحبها إلا مخافة اللوم أو التقريع أو العقاب !

(9) الغش، وعدم التحرج من إتيانه كأنه حق من الحقوق المشروعة !

(10) الاستهانة بمسئولية الإنسان عن عمله، وعدم الشعور بالتأثم من الخطأ أو الإهمال إو إضاعة حقوق الناس أو مصالحهم أو أموالهم أو راحتهم أو أمنهم.

(11) إهدار "المصلحة العامة"، وعدم الإحساس بالمسئولية تجاهها. ليس فقط بسبب انصراف كل إنسان إلى مصلحته الخاصة، دون نظر إلى ما يقع منه من تجاوزات في سبيل الحصول عليها، ولكن لانعدام الحس بوجود شيء مشترك يقوم كل إنسان من جانبه برعايته والحرص عليه، وتظهر نماذج من ذلك في إتلاف الصنابير العامة وترك الماء يسيل منها بلا حساب، وتقطيع الأشجار العامة، وإتلاف نباتات الحدائق، وإلقاء القمامة في الطرقات العامة، وتحويل أي مساحة خالية إلى مباءة لإلقاء القاذورات، أو ما هو أسوأ من ذلك مما يبعث الروائح الكريهة فيها !. 

(12) الملق لأصحاب السلطة، بمناسبة وبغير مناسبة !

(13) الرياء في أداء الأعمال، الذي يحولها إلى أعمال مظهرية لا يقصد بها مضمونها الحقيقي، سواء كان العمل مشروعا عاما يقصد به الدعاية المظهرية أو عملا خاصا لإرضاء الآخرين ونيل ثنائهم دون إيمان حقيقي به !

(14ـ16) الثلاثي الرهيب الذي يمثل طابعاً عاماً للأمة، ويفسد عليها كثيراً من شئونها: الفوضوية التي تكره النظام، والعفوية التي تكره التخطيط، وقصر النَفَس، الذي يشتعل بسرعة وينطفئ بسرعة، والذي يتسبب في فشل كثير من المشروعات بعد التحمس لها في مبدأ الأمر، إما بسبب الفوضى في الأداء، أو الارتجال الذي يضيِّع الجهد بلا ثمرة، أو انطفاء الحماسة وفقدان الرغبة في المتابعة.. أو بسببها جميعا في وقت واحد !

الحصيلة النهائية لأمراض العقيدة وأمراض السلوك:

لعله من الواضح أن هذه الأمراض لا تأتي بخير ! ولكن اجتماعها كلها في الأمة في وقت واحد قد أحدث من الشرور ما يفوق التصور. وما الواقع الذي تعانيه الأمة اليوم في كل اتجاه إلا حصيلة هذه الأمراض، التي كان اجتماعها بهذه الصورة كفيلاً بالقضاء الأخير على الأمة، لولا فضل الله ورحمته، ومشيئته المسبقة أن تبقى هذه الأمة على وجه الأرض حتى يرث الله الأرض ومن عليها !

المزيد


مفهوم الأمة وخصائصها

يناير 4th, 2008 كتبها  محمد المصري نشر في , مشروع نهضة الأمة

مفهوم الأمة

إعداد/محمد المصري.

1-الأمة في اللغة:-

الأمة:- لغةً تعني الدين والطريقة، فيُقال: فلان لا أمة له أي لا دين له. كما تدل الأمة عند العرب أيضًا على النعمة والعيش الحسن، والأمة تعني كل جماعة بشرية، وكذلك كل جنس من الحيوان والطير،وإن كان الشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله يري إن أطلاق لفظ الأمة خاص بالجماعة العظيمة من البشر حيث يقول في تفسير قوله تعالي:(ومَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ [الأنعام : 38])

( أمم ) جمع أمة . والأمة أصلها الجماعة من الناس المتماثلة في صفات ذاتية من نسب أو لغة أو عادة أو جنس أو نوع . قيل : سميت أمة لأن أفرادها تؤم أمماً واحداً وهو ما يجمع مقوماتها، وأحسب أن لفظ أمة خاص بالجماعة العظيمة من البشر فلا يقال في اللغة أمة الملائكة ولا أمة السباع . فأما إطلاق الأمم على الدواب والطير في هذه الآية فهو مجاز أي مثل الأمم لأن كل نوع منها تجتمع أفراده في صفات متحدة بينها أمما واحدة وهو ما يجمعها وأحسب أنها خاصة بالبشر(1).

ويذهب بعض المستشرقين إلى اعتبار مصطلح الأمة دخيلاً على اللغة العربية نظرًا لعدم شيوعه بين العرب قبل الإسلام، وأنه من المصطلحات الأجنبية في القرآن الكريم. ويرى هؤلاء المستشرقون أن اللفظ قد يكون مأخوذًا من العبرية (أما) أو من الآرامية (أميتا). ويرد المحققون العرب على هذا الادعاء بالنفي، فتقارب اللغتين العربية والعبرية تاريخيًا يجعل من الصعب الجزم بأيهما أسبق من الأخرى، بل من الممكن الاعتقاد بأنها انتقلت من العرب عبر التواصل التجاري، أو أنها كانت لغة القوم الذين كانوا يقطنون مكة حين قدم إليها نبي الله إبراهيم مع زوجته وابنه. ومهما تكن الادعاءات فإن مصطلح الأمة قد أصبح جزءًا لا يتجزأ من التراث الإسلامي.

2-الأمة في القرآن:-

وردت كلمة "أمة" في القرآن الكريم 49 مرة. منها 43 آية مكية، والبقية الباقية مدنية. كما وردت كلمة "أمم" 11 مرة، منها 10 آيات مكية وآية واحدة فقط مدنية، مع ملاحظة أن لفظ "الأمة" في الآيات المكية إنما يعود إلى الأمم الكافرة التي كذبت أنبياء الله ورسله قبل الإسلام. وقد ورد ذكرها من باب العظة والاعتبار لمشركي قريش كما في قوله تعالى "وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوْا بِالْبَاطِل" [غافر: 5]. هذا وقد جاءت "أمة" في القرآن الكريم بمعانٍ متعددة على الوجه التالي".

1 بمعنى: دين [وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً] (النحل: 93). أي على دين واحد.

2 بمعنى: إمام [إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا..] (النحل: 120) أي إمام الحنفاء.

3 بمعنى: زمن [وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ..] (يوسف: 45). أي تذكر بعد مدة من الزمن.

4 بمعنى: عصبة أو مجموعة من الناس [وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُوْنَ] (القصص: 23). أي جماعة من الناس يسقون أغنامهم.

5 بمعنى: قوم [أَنْ تَكُوْنَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ] (النحل 92).. بمعنى أن يكون قوم أكثر من قوم.

بذلك يمكن القول: إنه ليس هناك معنى محدد لكلمة أمة، بل وحتى لو قبلنا الوجه الجماعي كمعنى لهذا المصطلح، فليس من السهل اعتباره معنًى سياسيًّا نظرًا لعدم تحديد هوية هذه الجماعة أو مدى اشتراكها في صفات معينة أو لغة مثلاً.

وأشار القرآن الكريم إلى العرب على أنهم أمة [كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٍ] (الرعد: 30). كما ميز القرآن أمة المسلمين من غيرها من الأمم في ثلاث آيات مدنية.

1- [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوْا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ] (البقرة: 143). والوسط هو العدل والأخير والأفضل.

2- [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ] (آل عمران: 110).

3- [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ] (آل عمران: 104).

ويرى بعض المفسرين أن الآيتين الأخيرتين تدلان على عمومية لفظ الأمة في المجتمع الإسلامي كل بحسب عصره، وبذلك تتميز الأمة الإسلامية على مستوين: الأول :داخل الأمة الإسلامية حيث تكون هناك مجموعة من الأفراد تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. والثاني :هو المستوى العالمي حيث تكون الأمة الإسلامية أفضل أمم الأرض السابقة واللاحقة من جهة القيام بمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. يترتب على ذلك تناقض المفهوم القرآني للأمة مع المفهوم المعاصر الذي يعني الاشتراك في اللغة والعادات والتاريخ وكذلك بالنسبة للموقع الجغرافي والجذور العرقية. فالقرآن يتعامل مع المصطلح بشكل أشمل وأوسع؛ حيث ينتمي للأمة الإسلامية كل مسلم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بغض النظر عن جنسه أو لونه أو لغته أو تاريخه، كما أن الأمة مركبة من جماعات وأعراق ولغات، بل وبها أديان وملل ولكنها ليست عناصر صراع وتفتيتي، بل عناصر قوة وتضامن، وجدير بالتأمل هنا وصف دستور المدينة -الذي كان بمثابة العقد السياسي الأول للرسول صلى الله عليه وسلم وصفه للنصارى واليهود بأنهم "أمة من الناس".

أما الأحاديث النبوية التي تشير إلى مفهوم الأمة الإسلامية فيه أكثر من أن تحصى ويتحدث فيها النبي صلى الله عليه وسلم عن أمته في الدنيا والأخرى. وبذلك يتحد المفهوم النبوي للأمة مع المفهوم القرآني، وإن كانت الشواهد في الأحاديث أكثر بكثير من الآيات القرآنية(2).

  اعتبار وجود الأمة وخصائصها في طرق الطرح الاسلامى :

تختلف طرق الطرح الاسلامى في مسألة وجود الأمة ؛ ونجد في ذلك طرفان من الباطل كل منهما يقف موقف مناقض للأخر في اعتبار وجود الأمة ويوجد بين هذين الطرفين واسطة من الحق .

أولا :- الطرف الأول :

يرى بان الشرعية الإسلامية وأساسيات المجتمع الاسلامى متحققة للأنظمة العلمانية وان كل ما ينقصها هو استكمال نقص وتصحيح انحراف جزئي .

*ما ترتب على هذا القول :-

1- اعتبار أن العمل الاسلامى هو للإصلاح وليس للتغير (عملية ترقيع ).

المزيد


الافتتاحية

يناير 4th, 2008 كتبها  محمد المصري نشر في , مشروع نهضة الأمة

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلي الله عليه وسلم وبعد :-

فهذا هو العنوان الذي اخترته لهذه الورشة ،وأنا أدرك ضخامة هذا العنوان وصعوبته ،ولكن ما المانع من المحاولة ،والبحث عن أسباب تخلف الأمة والعمل علي إحيائها ونهضتها من جديد .

وعمل هذه الورشة وفق تصوري هو أن يتم العمل في هذه الورشة وفق إستراتيجية "فتح الملفات ".

وفتح الملفات هو عبارة عن فتح كثير من الملفات الهامة التي تعين علي نهضة الأمة وعودتها إلي الريادة من جديد ،وكذلك فتح ملفات التي توضح عثرات الطريق أمام النهضة ،وتعمل علي حل المغاليق الإستراتيجية التي تواجه العمل والحركة .

-أي أن "موضوع فتح الملفات":يكون بمثابة مركز دراسات إستراتيجية مستقبلي للأمة ولقياداتها .

طبعاً ما أتكلم فيه قد يعدّه البعض حلم أو هذيان ،ولكن سأستعين بالله عز وجل وأتوكل عليه في فتح هذا الملف الضخم ،وهو ملف نهضة الأمة ،وكلي أمل في مساعدة الأخيار في هذا الملف ،لعل الله عز وجل يجعل فيه خير كثير ونفع هائل ،وأنا أعمل في هذه الورشة أتقبل بكل نفس رضيّة نصح أو تقويم أصحح به خطأ أو زلل ،والملفات التي ستفتح بإذن الله هي كالتالي :-

1-تصحيح المفاهيم الإسلامية الغائبة عن الأمة .

2-مفهوم أهل السنة والجماعة والطائفة الناجية المنصورة .

3-مفهوم التوحيد أو العقيدة بمفهومه السلفي الشامل .

4-إحياء الهوية الإسلامية .

5-الأسرة المسلمة وإعداد الجيل الصالح.

6-دراسات الفقر والفساد في العالم الإسلامي .

7-القضايا الدعوية ،ومعرفة مخططات الأعداء .

وتبقي العديد من الملفات الأخرى ستفتح وتبقي مفتوحة إستيعاباً لورقات العمل المختلفة واستقبال لنبضات الصراع علي الإسلام علي المستوي العالمي .

الهدف من الورشة :-

إحياء وإيجاد المفهوم الحقيقي "للأمة الإسلامية"، ورأب الصدوع ف

المزيد