أبناء الدعاة

مايو 31st, 2008 كتبها  محمد المصري نشر في , مفاهيم وقضايا تربوية

أبناء الدعاة … مسألة في التربية

الشيخ /رفاعي سرور
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد :-
أبناء الدعاة من أخطر مسائل الدعوة لأن هؤلاء الأبناء هم الامتداد الإنساني للدعوة.
وهذه المسألة التربوية لها عدة أبعاد:
- الأب الداعية
- أبناء الداعية
- مقتضيات الدعوة

الأب الداعية
- والداعية إلى الله شخصية قوية مؤثرة بطبيعتها، ولا بد أن يكون لهذه الصفة أثر في تربية الأبناء، والجانب الإيجابي لهذا التأثير هو القدرة على التعامل مع الأبناء بهذه الطبيعة المؤثرة.
أما الجانب السلبي فهو طغيان هذا التأثير على الشخصية المتكونة للأبناء؛ حيث لا يجد الابن لنفسه وجودًا بجانب أبيه.
وهو الأمر الناتج عن يأس الابن من إمكانية مواجهة الأب أو حتى التفاهم معه؛ فيؤثِر السلامة بالانقياد..
ليكون الحق والواجب هو رأي الأب وتصرفاته..
وهي حالة لها أخطارها التربوية المحققة:
منها: سلبية الإبن في التفكير ومواجهة المشاكل.
ومنها: الانفصال، والانفصام، والتمرد، والانشقاق في أقرب فرصة يراها الابن مواتية ويرى نفسه قادرا عليها، بحثا عن ذاته التي فقد الإحساس بها مع أبيه وأمام هذه الأخطار تتحدد عدة واجبات:
- واجب أن تفسر القوة في شخصية الأب على أنها من الإسلام: وليست صفة شخصية بحتة، وأنه مع كون موجبات الاقتداء به مضاعفة -كأب وكداعية- إلا أنه بشر يخطئ ويصيب.
- واجب تحكيم الشرع في الأسرة: وعندما يكون الشرع هو الحكم بين جميع أفراد الأسرة -بما فيهم الأب- تصبح القوة في شخصية الأب محكومة بالشرع ومحفوظة من الطغيان، ويصبح قبول الأب الداعية للنصيحة من أبنائه أمر واجب؛ فيرى الأبناء في أنفسهم القدرة الكافية لإقامة علاقة حكيمة مع أبيهم.
- واجب أن يجعل الأب ابنه يفهم أنه الامتداد الطبيعي له: وأن أي ميزة قد يراها الابن في أبيه هي ميزة له؛ ليتحقق التوافق والتوحد بغير ذوبان لشخصية الابن في شخصية أبيه.
- واجب إسلام مشاعر الأب تجاه أبنائه: فالأب الداعية بكل ميزاته الشخصية هو بشر قد يصيبه الضعف في علاقته بأبنائه، وقد يكون لضعفه نفس أثر قوته، فإذا كان لقوته أثر من الشدة على أبنائه فقد يكون لضعفه نفس الأثر؛ لأن الخوف من الركون إلى الدنيا والأبناء قد يتجه بالأب الي عدم الجلوس إلى الأبناء وملاطفتهم حتى لا تنشأ عنده عاطفة تمنعه من القدرة على تركهم إذا اقتضت ضرورة الدعوة ذلك، وهو تصرف ناشئ عن تصور خاطئ للدعوة.
والصحيح: أن يؤمن الداعية أن القلوب بيد الله، وأن الله سبحانه الذي وضع الرحمة في قلب الأب لابنه هو سبحانه الذي يعينه علي فراق أبنائه إذا اقتضت الدعوة ذلك؛ فيجب إسلام المشاعر لله في كل الأحوال.
والداعية شخصية حكيمة متوازنة قادرة على التعامل مع أعلى الاهتمامات وأشدها وأبسط الاهتمامات وأرقها.
ومن هنا يجب على الداعية ألا يتجاوز بعلوِّ اهتماماته تعامله الصحيح مع أبنائه.
وهذا موقف إعجازيًّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم تلتقي فيه أعلى درجات الهِّمة في الدعوة مع أقوى درجات الرحمة بالصغار، وهو الوارد في حديث أنس ابن مالك، قَال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو عُمَيْرٍ .. كَانَ فَطِيمًا .. فَكَانَ إِذَا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَرَآهُ قَالَ: «أَبَا عُمَيْرٍ! مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟» قَالَ: فَكَانَ يَلْعَبُ بِه(1).
ومن أهم مقتضيات الحكمة والتوازن في التعامل مع الأبناء الحذر من الانشغال عن الأسرة والأبناء بمهام الدعوة، والنظر إليهم على أنهم أمرًا دنيويًّا لا يجب أن يشغله.
والصواب: هو اعتبار الأبناء من أهم قضايا الدعوة وهو ما تبين من الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ(صحيح مسلم ج5 ص160) )( 2).
ولكن مقتضيات الدعوة تحتم إعطائها الاهتمام الواجب ، لذا يصير من الضروري على الداعية معالجة أثر هذا الاهتمام في نفس أبنائه، حتى لا يفهموا أن اهتمام أبيهم بأمر المسلمين على أنه تقصير في واجبه معهم، وفي هذا الإطار يجب أن يفهم الأبناء أن الاهتمام بأمر المسلمين واجب شرعي «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»(3) و ليس ذلك فقط؛ بل هو بركة ستصل إلى الأبناء ليصبح الأبناء علي يقين بأن الله يعين العبد الذي يهتم بأمر المسلمين على أداء واجبه نحو بيته وأسرته فييسر الله له القيام بجميع الواجبات.
ومن الأفضل أن يفسر الأب لأبنائه هذه الحقيقة القدرية بصورة عملية، فإذا أكرمه الله في أمر فسَّر ذلك لأبنائه بأن ذلك كان بعد عون قدَّمه لأحد إخوانه.
أبناء الداعية
والداعية في ظروف ومعاناة الاستضعاف وقلة استجابة الناس لدعوته يتجه نفسيًّا إلى معالجة هذه المعاناة بالتركيز على أبنائه باعتبارهم في حالة استجابة طبيعية كأبناء؛ فيسعى الأب -وبكل قوته- في جعل أبنائه نموذجًا كاملًا لقضايا الدعوة دون اعتبار للمرحلة الزمنية التي يمر بها الأبناء..
فيحب أن يراه عالما مجاهدا فذًّا في أقل وقت ممكن؛ فيلقنه المصطلحات العلمية الصعبة ويربيه التربية القاسية أملا في أن ينشأ التنشئة القوية..
وفي إطار هذا الخطأ تحدث أخطاء تربوية منها:
- عدم الموازنة بين مقتضيات الدعوة وحق الطفولة:
- ومن هنا يجب مراعاة السن في تأصيل منهج الدعوة عند الأبناء؛ ولكن هذه المراعاة يجب أن تقوم على أساس أن الطفل في واقع الدعوة له سمات خاصة أهمها التميز الناشئ عن الخبرة المكتسبة من الحياة داخل بيت الدعاة، والعمر العقلي السابق للعمر الزمني لأبناء الدعاة مما يتطلب مستوى خاصًّا للتعامل.
ويجب توجيه الإخوة المحيطين ببيت الدعاة إلى ضرورة التعامل مع أبنائهم بالمستوى المطلوب؛ وحديث رسول الله لابن عباس هو الدليل؛ عن ابن عباس قال: كنت خلف رسول الله صلى الله عليه و سلم يومًا، فقال: «يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ين

المزيد