كيف نحمي ثوابتنا..؟
عبد العزيز كامل
كان الحديث في لقاء سابق؛ عن ظاهرة باتت شبحاً مهدّداً بالانفصال روابطنا، وبالانفصام عرانا، ألا وهي: التزحزح عن ثوابتنا أو بعض ثوابتنا في قضايانا المعاصرة الكبرى، حيث لا تكاد تبقى لنا قضية إلا وقد اسـتـهدفت بالاختلاف أو استهلكت بالمزايدة من بعض من يتتبع اختلافات العلماء والدعاة في عالمنا الإسلامي ليبرز منها عند الطلب ما يوافق غرضه وهواه.
إن هذا يهدد الهدف المنهجي الصادق لـكــل مـسـلـم مشفق ناصح، ألا وهو: اتفاق فصائل العاملين للإسلام على حدودٍ دنيا من الأهداف، يتبناها الجميع، ويسيرون نحو تحقيقها بخطًى ثابتة، وإلا فعلى أي شيء نجتمع في العمل للدين إذا تميعت عقيدة الولاء والبراء، وتراجعت قضية تحكيم الشريعة في بلاد المسلمين، وبهـتــت صورة الكفاح الصادق لنصرة الإسلام، وبردت العواطف تجاه المستضعفين، وخفقت الأصوات عن إحقاق الحق وإبطال الباطل، وأُطفئت في داخلنا جذوة التحرق لانتصار التوحيد، وخمدت فورة التوثب لعبور الهزيمة والتخلف؟!.
من المستفيد إذا قعدنا وقام غيرنا، وكسلنا ونشط سوانا من: أتـبــاع الـديـانـات الباطـلـة، والمذاهب المنحرفة، والأفكار الضالة؟!
إن الـكـثـيرين من المرجفين والمبطلين قد انطلقوا يبشرون بأفول نجم التدين، وذهاب بريق الصحوة، وانحسار مَدّ الدعوة، فهل نعيب عليهم أن أقررنا أعينهم بما يشتهون؟!
إننا لن نسـتـطـيـع هذه المرة أن نعلق مسؤولية عدم تحقيق الأهداف على مشجب ضخامة التحدي ومـؤامـــرات الأعداء، بل الأمر فينا ومنا، وعقباه إلينا وعلينا، حيث بتنا نفض جموعنا عن قضايانا المحورية، ونصرف وجوهنا عن همومنا الجادة.
والخطر كل الخطــر، أن تتم عمليات الإشغال والانشغال عن هموم الإسلام باسم الإسلام، ويتم الصرف عن العمل باسم العلم.
ولكل هذا فإن إعـمــال الفكر، وكد الذهن من أَجْلِ استجماع أسباب حماية الثوابت يطرح نفسه أمراً مهمّاً، ولن يكون ذلك إلا باستلهام روح النصيحة لله ولرسوله ولخاصة المسلمين وعامتهم، واستشعار أهمية تغليب المصالح على المواقف الخاصة، واستبعاد تعرض ثوابت الدين للمخاطر من أجل الحفاظ على الخواطر.
ويظهر لنا من خلال تتبع أحوال السلف مع أمانة المحافظة على العلم والدين، أن هناك أسباباً تُعين مراعاتها على حماية الثوابت، منها:
1- لا مجاملة في الحق:
فالحق قديم، وهو يعلو ولا يُعلى عليه، ومن نوقره من أجل الدين لا ينبغي أن يرتفع فوق حقائق الدين، ومــن الضــوابط في ذلك عدم الخلط بين الصلاح الشخصي والخطأ العلمي، فكل إنسان ـ بل كل إمــام ـ يؤخذ منه ويرد إلا صاحب الحجرة ـ كما قال الإمام مالك ـ والزلة من العالم أمر وارد، وهو قبلها وبعدها: عالم، وبمقتضى علمه لابد أن يعذر الناس في رد زلاته، وإلا فالأمر كما قال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه): يفسد الناس ثلاثة: أئمة مضلون، وجدال منافق بالقرآن، وزلة العالم(1)، فالمجادلة في الزلات والأخطاء إفساد للعلم، ومحاباة على حساب الدين، وقد قال الإمام أحمد: ليس في الدين محاباة(2).
2- من احترام العالم ألا يُسأل إلا فيما يعلم:
ذلك أنه لا ينبغي في الأصـــل أن توجه للعالم الأسئلة في غير تخصصه، خاصة إذا كانت مبتورة أو ملتوية، أو موجهة لتحصيل غرض مبيت، فهذا من التغرير بالعالم والتوريط له، وهذه هي (الغَلُوطات) التي نـهــى النبي -صلى الله عليه وسلم- عنها، في الحديث الذي رواه أبو داود في سننه عن معاويـــة (رضي الله عنه) أنه -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الغلوطات*.
قال الخطابي: الغلوطات: هي شرار المسائل، والمعنى: أنه نهى أن يعترض العلماء بصعاب المسائل التي يكثر فيها الغلط ليسـتـزلــوا بها، ويستسقط رأيهم فيها(3)، وإن كان لابد من تلك المسألة، فلتطرح على المجامع العلمـية، التي تقلبها من جميع جوانبها التخصصية، فهذا أدعى إلى الاحتياط للدين، وأسلم للفتوى.
3- من الاحترام للعلم ألا يُجاب في شيء إلا بعلم:
فمن الآفات التي قل التحفظ منها في زمـانـنــا: الـمـبـادرة إلـى إعطاء الجواب على سؤال مباغت، دون مراجعة للنصوص و













