كيف نحمي ثوابتنا..؟

أكتوبر 3rd, 2007 كتبها  محمد المصري نشر في , مقال

كيف نحمي ثوابتنا..؟

عبد العزيز كامل

كان الحديث في لقاء سابق؛ عن ظاهرة باتت شبحاً مهدّداً بالانفصال روابطنا، وبالانفصام عرانا، ألا وهي: التزحزح عن ثوابتنا أو بعض ثوابتنا في قضايانا المعاصرة الكبرى، حيث لا تكاد تبقى لنا قضية إلا وقد اسـتـهدفت بالاختلاف أو استهلكت بالمزايدة من بعض من يتتبع اختلافات العلماء والدعاة في عالمنا الإسلامي ليبرز منها عند الطلب ما يوافق غرضه وهواه.

إن هذا يهدد الهدف المنهجي الصادق لـكــل مـسـلـم مشفق ناصح، ألا وهو: اتفاق فصائل العاملين للإسلام على حدودٍ دنيا من الأهداف، يتبناها الجميع، ويسيرون نحو تحقيقها بخطًى ثابتة، وإلا فعلى أي شيء نجتمع في العمل للدين إذا تميعت عقيدة الولاء والبراء، وتراجعت قضية تحكيم الشريعة في بلاد المسلمين، وبهـتــت صورة الكفاح الصادق لنصرة الإسلام، وبردت العواطف تجاه المستضعفين، وخفقت الأصوات عن إحقاق الحق وإبطال الباطل، وأُطفئت في داخلنا جذوة التحرق لانتصار التوحيد، وخمدت فورة التوثب لعبور الهزيمة والتخلف؟!.

من المستفيد إذا قعدنا وقام غيرنا، وكسلنا ونشط سوانا من: أتـبــاع الـديـانـات الباطـلـة، والمذاهب المنحرفة، والأفكار الضالة؟!

إن الـكـثـيرين من المرجفين والمبطلين قد انطلقوا يبشرون بأفول نجم التدين، وذهاب بريق الصحوة، وانحسار مَدّ الدعوة، فهل نعيب عليهم أن أقررنا أعينهم بما يشتهون؟!

إننا لن نسـتـطـيـع هذه المرة أن نعلق مسؤولية عدم تحقيق الأهداف على مشجب ضخامة التحدي ومـؤامـــرات الأعداء، بل الأمر فينا ومنا، وعقباه إلينا وعلينا، حيث بتنا نفض جموعنا عن قضايانا المحورية، ونصرف وجوهنا عن همومنا الجادة.

والخطر كل الخطــر، أن تتم عمليات الإشغال والانشغال عن هموم الإسلام باسم الإسلام، ويتم الصرف عن العمل باسم العلم.

ولكل هذا فإن إعـمــال الفكر، وكد الذهن من أَجْلِ استجماع أسباب حماية الثوابت يطرح نفسه أمراً مهمّاً، ولن يكون ذلك إلا باستلهام روح النصيحة لله ولرسوله ولخاصة المسلمين وعامتهم، واستشعار أهمية تغليب المصالح على المواقف الخاصة، واستبعاد تعرض ثوابت الدين للمخاطر من أجل الحفاظ على الخواطر.

ويظهر لنا من خلال تتبع أحوال السلف مع أمانة المحافظة على العلم والدين، أن هناك أسباباً تُعين مراعاتها على حماية الثوابت، منها:

1- لا مجاملة في الحق:

 فالحق قديم، وهو يعلو ولا يُعلى عليه، ومن نوقره من أجل الدين لا ينبغي أن يرتفع فوق حقائق الدين، ومــن الضــوابط في ذلك عدم الخلط بين الصلاح الشخصي والخطأ العلمي، فكل إنسان ـ بل كل إمــام ـ يؤخذ منه ويرد إلا صاحب الحجرة ـ كما قال الإمام مالك ـ والزلة من العالم أمر وارد، وهو قبلها وبعدها: عالم، وبمقتضى علمه لابد أن يعذر الناس في رد زلاته، وإلا فالأمر كما قال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه): يفسد الناس ثلاثة: أئمة مضلون، وجدال منافق بالقرآن، وزلة العالم(1)، فالمجادلة في الزلات والأخطاء إفساد للعلم، ومحاباة على حساب الدين، وقد قال الإمام أحمد: ليس في الدين محاباة(2).

2- من احترام العالم ألا يُسأل إلا فيما يعلم:

ذلك أنه لا ينبغي في الأصـــل أن توجه للعالم الأسئلة في غير تخصصه، خاصة إذا كانت مبتورة أو ملتوية، أو موجهة لتحصيل غرض مبيت، فهذا من التغرير بالعالم والتوريط له، وهذه هي (الغَلُوطات) التي نـهــى النبي -صلى الله عليه وسلم- عنها، في الحديث الذي رواه أبو داود في سننه عن معاويـــة (رضي الله عنه) أنه -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الغلوطات*.

قال الخطابي: الغلوطات: هي شرار المسائل، والمعنى: أنه نهى أن يعترض العلماء بصعاب المسائل التي يكثر فيها الغلط ليسـتـزلــوا بها، ويستسقط رأيهم فيها(3)، وإن كان لابد من تلك المسألة، فلتطرح على المجامع العلمـية، التي تقلبها من جميع جوانبها التخصصية، فهذا أدعى إلى الاحتياط للدين، وأسلم للفتوى.

3- من الاحترام للعلم ألا يُجاب في شيء إلا بعلم:

فمن الآفات التي قل التحفظ منها في زمـانـنــا: الـمـبـادرة إلـى إعطاء الجواب على سؤال مباغت، دون مراجعة للنصوص و

المزيد


حرب المياه القادمة

يوليو 25th, 2007 كتبها  محمد المصري نشر في , مقال

حرب المياه القادمة

حسن الرشيدي

باتت موارد المياه في الشرق الأوسط مــــن بـيــن التحديات المتعددة التي تهدد أمن المنطقة واستقرارها في ظل المتغيرات الدولية المعاصرة، لـيـــس فقط لكون حدود الموارد لا تتفق مع الحدود السياسية بل وأيضاً من تفاقم المنافسة في حالة تنازع المصالح التي أصبحت وشيكة.

ومع كثرة البحوث والدراسات التي تناولت هذه المشكلة؛ فإن سلاح الماء لم ينل حظاً وافراً من اهتمام الباحثين باعتباره سلاحاً سياسياً يستخدم أداةً للتكافل والاستفادة المشتركة أو أداة للخلاف وإثارة الصراعات. وقد اخترت (الصراع على مياه النيل) أنموذجاً لتجدده في الآونة الأخيرة وندرة البحوث المتعمقة في هذا الجانب.

الميزان المائي لدول الحوض: باستعراض طبيعة المشكلة التي سماها بعض الباحثين بالميزان المائي نجد أنهم يعنون به: الموارد المتاحة حالياً والـمــوارد الـمـطـلـوبة والقابلة للاستثمار والاحتياجات الحالية والمستقبلية على ضوء التزايد السكاني والاتجاهات التنموية القائمة والمتوقعة مستقبلاً.

وفـي الـواقــع أنه من الصعب القياس بميزان حساس للمياه في الشرق الأوسط، لاعتبارات عديدة، بعـضـهـــــا فـنـيــة وأخرى سياسية. أما الفنية فهي صعوبة حصر الموارد المائية (السطحية والجوفية والمحلاة) الواردة من وإلى أي من دول الشرق الأوسط، خاصة أن المياه تتعرض في دورة جريانها إلى عوامل التبخر والنتح، وأحياناً أخرى الهدر وقت الاستعمال أو إعادة الاستعمال.

فرغم الاهتمام الملحوظ في الـفـتـرة الأخـيـرة بموارد المياه وما يمكن أن تحدثه من أزمات في العلاقات بين دول الشرق الأوسط، وما تجـلـبــه من كوارث على المستوى القطري؛ إلا أن الاهتمام بحصر تلك الموارد حصراً دقيقاً لا زال مـبـدئـياً ويعاني من غياب الدقة المطلوبة، بل إنه يعاني في حالات أخرى ـ من قلة المعلومات أو عـدم توافرها أصلاً، وهذا ينقلنا إلى الصعوبات السياسية المتمثلة في منهجية خبراء شؤون المياه في تناول الأرقام المتعلقة بموارد المياه وهي التي غالباً ما تكون لخدمة أغراضهم أو بالأحـرى مصالح دولهم، ولذلك قد لا يرون غضاضة في كشف عجز أو فائض أو توضيح هبوط أو صعود نصيب الفرد من المياه في دولة ما بما يخدم أغراضهم؛ الأمر الذي يؤدي في النهايــــة إلى تضارب الأرقام من خبير لآخر، ومع ذلك؛ ورغم تلك الصعوبات الجمة، فإننا لم نجد بداً من اقتحام تلك الأسلاك الشائكة في محاولة للتوصل إلى الرقم الأقرب إلى الصحة بشأن تحديد درجة التوازن المائي في المنطقة وهو الرقم الذي يشكل في الغالب إما القاسم المشترك بين عدد من الخبراء الثقاة في هذا المجال، أو رقماً مستقى من وثيقة أصلية لا يختلف عليها اثنان.

يبلغ الحجم المتوسط السنوي للأمطار على حوض النيل حـوالـي 900 ملـيـار م3 سنوياً(1) يمثل السريان السطحي منه 137 مليار م3، بينما إيراد النيل طبقاً لآخر التقــديــرات لا يتجاوز 84 مليار م3، يأتي 72 مليار م3، أي 87% من مياه النيل من النيل الأزرق الذي ينبع من بحيرة (تانا) في أثيوبيا، بينما يأتي 13% من منطقة البحيرات العظمى أي حوالي 12 مليار م3.

ويبلغ تعداد السكان بحوض النيل ما يقرب من مائتي مليون نسمة، وتبلغ احتياجاتهم المثلى نحو 170 مليار م3، سنوياً من المياه، ويمكن المزج بين مياه النهر والآبار والأمطار لتحقيق اكتفاء ذاتي من المياه دون أي مشاكل.

واذا انتقلنا إلى مصر الدولة الأكبر والأكثر اعتماداً على مياه النيل، فالأمطار شبه معدومة، والمياه الجوفية غير متجددة، ومن هنا فإن مياه النيل تمثل حوالي 97% من موارد مـصــر الـمـائـيـــــة، وتبلغ حصة مصر 5، 55 مليار م3، وعدد سكانها 60 مليون نسمة، طبقاً لتقديرات 1996م، والأرض الـمـزروعة 3، 6 مليون فدان، وهذا القدر من المياه لا يكفي لاحتياجات السكان مما يضطر الـمـصــــريين لإعادة استخدام المياه لمرة ثانية بالرغم من انخفاض نوعيتها وتأثيرها المستمر على خصوبة الأرض الزراعية وعلى معدلات الإنتاج.

وفي عام 2000م سيصل عدد السكان إلى نحـــو 70 مليون نسمة، ولكي تحافظ مصر على نصيب الفرد من المياه فإنها ستكون في حاجة إلى نحو 77 مليار م3، بعجز 22 مليار م3.

أما السودان فتختلف التقديرات بشأن المساحة المزروعة من 1.1 إلى 3، 1 مليون هكتار، في حين تتراوح تقديرات المياه المستخدمة ما بين 12 إلى 17 مليون هكتار(2) وتدعو الخطة الوطنية السودانية إلى استصلاح ما يقرب من 4، 2 مليون هكتار جديدة من الأرض الزراعية وهي تتطلب 15 مليار م3 إضافية من المياه. ولكن وسط وجنوب السودان لا يُحتاج كثيراً إلى المياه من نهر النيل؛ فمعدل مياه الأمطار يصل إلى 1500 ملم على الأغلب في العام. والجدير بالذكر أن السودان حالياً يستغل فقط 5، 13 مليار م3، من حصته في مياه النيل البالغة 5، 18 مليار م3.

وإثيوبيـا توصف بأنهـا نافورة أفريقيا حيث ينبع من مرتفعاتـها أحد عشر نهراً تتدفق عبر حدودها إلى الصومال والسودان وتصب هـذه الأنهـار 100 مليار م3، من الماء إلى جيران إثيوبيـا والنيـل الأزرق أكثـر هذه الأنهار.

وتتميز أنهار إثيوبيا التي تجري صوب الغرب بانحدارها الشاهق؛ فالنيل الأزرق ينحدر 1786 متراً عن مجراه الذي يبلغ 900 كم، وهذا الانحدار الشاهـق لتلك الأنهـار يجعـل مـن إثيوبيا بلداً ضعيفاً جغرافياً في التحكم في جريان النهر.

البعد السياسي للمشكلة: يمكن وصف حالة نهر النيل بأنها حالة مساومة وتهديد؛ فدائماً تستخدم ورقة المياه من جانب أثيوبيا أو الدول الكبرى للضغظ على مصر والسودان لتليين مواقفهما السياسية إزاء مشكلة ما. فعلى سبيل المثال وفي الماضي البعيد كثيراً ما كان الأحباش يلوّحون به من إبادة مسلمي الحبشة وتحويل مجرى النيل عن مصر حتى يموت أهلها جوعاً، وقد كان حكام الحبشة يسوّغون مواقفهم تلك بأنها نوع من الانتقام إزاء ما يزعمونه بسوء معاملة الأقباط المصريين وقياداتهم الدينية(3).

كذلك لعبت القوى الكبرى من قديم الزمن دورها في هذا المضمار، ولم يتردد البرتغاليون في الاتصال بملك الحبشة لإقناعه بشق مجرى يمتد من منابع النيل الأزرق الذي هو الرافد الرئيسي لنهر النيل حتى البحر الأحمر؛ وذلك لحرمان مصر من المياه وجعلها من الواحات المفقودة(4).

واتخذ الاستعمار البريط

المزيد