*السنن الاجتماعية الإلهية في تغيير المجتمعات الإنسانية
د.حاكم المطيري
لله عز وجل سننه الاجتماعية في نشأة المجتمعات الإنسانية وقوتها وضعفها التي لا تتخلف نتائجها عن مقدماتها ولا تنفك أسبابها عن مسبباتها كما قال سبحانه: ( سنة الله في اللذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا ) وقد جعل الله سبحانه الظلم سببا لخراب العمران ومفضيا إلى ضعف الأمم وسقوط المجتمعات الإنسانية كما قال تعالى: ( وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون ) أي كما قال المفسرون ما كان الله ليهلك أهل القرى بسبب الظلم أي الشرك به ما داموا مصلحين بإقامة العدل والحقوق فيما بينهم والإصلاح في شئون حياتهم ولهذا لم يهلك الله سبحانه كل من أشرك به حتى يزيد على ذلك الفساد في الأرض بالظلم والطغيان كما أهلك فرعون وثمود وعاد بطغيانهم وعتوهم وقوم شعيب بتظالمهم في الميزان فيما بينهم وقوم لوط بفسادهم و انحلالهم …الخ
وهذا معنى قول شيخ الإسلام ( إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ويخذل الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة ) وتاريخ الأمم والشعوب وحاضرها أصدق شاهد على صحة هذه السنة الاجتماعية واطرادها والقياس الصحيح قاض باعتبار هذه القاعدة واشتراطها فحيثما وجد العدل والإصلاح وجد الاستقرار والازدهار وحيثما وجد الظلم والفساد وجد التخلف والدمار .
ومن السنن الإلهية الاجتماعية أن جعل الله مناط ذلك كله بمن يملك القدرة على تحقيق الإصلاح و إقامة العدل أوعكسهما من الإفساد والظلم وهم الملأ و أهل الحل والعقد أي من بيده السلطة والدولة لا عامة الناس كما قال تعالى: ( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا ) وفي قراءة ( أمّرّنا ) أي جعلناهم أمراء فيها فأفسدوا فيها .
ولم يقم دين سماوي شرعي ولا مذهب أرضي وضعي إلا بقيام سلطة ودولة تتجلى فيها مبادئهما وتنفذ على أرضها شرائعهما ولا يتنكب عن ذلك أهل ملة و لا يتجنبه أهل نحلة فتقوم لمذهبهم دولة فما كان ذلك قط ولن يكون أبدا بل تظل الأديان والفلسفات نظريات ذات أثر فردي محدود قد يتحقق باعتناقها صلاح دنيوي أو أخروي لا يتجاوز نطاق الأفراد أبدا ولا يصل إلى دائرة المجتمع ومجالات حياته ليصوغها وفق قيمه وتشريعاته كما قال تعالى: ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) .
ومن ينظر في تاريخ الأمم والشعوب يرى ذلك جليا واضحا فلم يصبح الإسلام واقعا يعيش المسلمون تحت عدل تشريعاته ورحمة أحكامه إلا بعد قيام دولته في المدينة وكذا استطاع الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب تحقيق مشروعه الإصلاحي بعد إقامة الدولة في الدرعية وهو مالم يستطع تحقيقه المجدد شيخ الإسلام ابن تيمية الذى سبق إلى الدعوة إلى السلفية التي ظلت مضطهدة حتى استطاع الشيخ محمد إقامة دولة تؤمن بها وتذود عنها وتدعوا لها ولم يعرف الغرب النظم الديمقراطية وحقوق الإنسان التي طالما كانت حلما يراود المفكرين وفكرة تطوف بخيال المصلحين فلم تصبح واقعا يعيشه الغرب إلا بعد الثورة الفرنسية سنة1789م بعد أربعة قرون من التضحيات ذهب فيها آلاف من المفكرين ورجال الدين والأدباء والعلماء حتى تحقق حلمهم وقامت دولتهم وكذلك كان حال الاشتراكية قبل الثورة البلشفية سنة 1917م فقد ظلت نظرية منذ أن فلسفها وقعد لها ماركس في كتابه ( رأس المال ) وظن أنها ستقوم في ألمانيا حتى نجح لينين في تحويلها إلى مشروع ثورة ونظام دولة وقد استطاع الاشتراكيون والشيوعيون في كل دولة قاموا فيها من خلال الوصول إلى السلطة بتطبيق نظرياتهم لتصبح أكبر دول العالم وأعرقها في النظم الإقطاعية كروسيا والصين دولا ومجتمعات شيوعية اشتراكية.
وما كان مثل ذلك التحول الخطير والعميق ليحدث في تلك المجتمعات ولو دعا الاشتراكيون إلى هذه النظرية وبشروا بها ألف سنة لولا وصولهم إلى السلطة وقيادتهم للدولة وكذلك كان حال الثورة الأمريكية التي لم تر مبادؤها النور ولم تصبح واقعا يعيشه الشعب الأمريكي إلا بعد الثورة وقيام الدولة وهذا ما حصل لنظرية الفقيه الولي التي لم تصبح واقعا يعيشه الشيعة الجعفرية في إيران إلا بعد الثورة الشعبية الإيرانية سنة1979 م لتقوم لهم أول دولة بعد قرون من انتظار المهدي وليبدأ الفقه الجعفري بتنظيم شؤون المجتمع وصياغة حياته وحل مشكلاته ونوازله التي لا عهد له بها وفق أحكامه وتصوراته وما كان ذلك ليتحقق لقادة تلك الثورة وأصحاب تلك النظرية الحديثة لولا إدراكهم للسنن الإلهية الاجتماعية في تغيير واقع المجتمعات وهذه قاعدة لا تتخلف أبدا ولا تحابي أحدا فلم يعرف تاريخ الأمم في ماضيها وحاضرها حركة اجتماعية سياسية استطاعت الوصول إلى تحقيق حلمها وإقامة مشروعها بغير هذا الطريق ومن هنا ندرك جانبا من جوانب المشكلة التي يعيشها المسلمون منذ سقوط الخلافة ودخول الاستعمار.
لقد ضل أكثر علمائهم ودعاة الإصلاح فيهم عن هذه السنن الإلهية الاجتماعية التي جاءت بها الهدايات القرآنية وأكدتها التجارب الإنسانية وظل أكثرهم بعيدا عن واقع الأمم المعاصرة ومعرفة أسباب نهضتها وقوتها وتطورها بينما يعيش العالم الإسلامي والعربي على وجه الخصوص تخلفا خطيرا حتى جاءت مجتمعاته ودوله في أدنى مستويات التنمية والحرية وحقوق الإنسان بل و في جميع مجالات الحياة كما جاء في آخر تقارير الأمم المتحدة عن التنمية في دول العالم العربي ومع ذلك لا يزال المصلحون يظنون أن بصلاح الأفراد يتحقق الإصلاح العام وأنه كما تكونون يولى عليكم وأن المستقبل لهذا الدين وما على الدعاة إلا الاستمرار بالدعوة إلى الله وتربية الأجيال ونشر العلم وإقامة المشاريع الخيرية وترقب النصر ؟! ولا شك في أهمية كل ذلك وأنه طريق إلى مرضاة الله وجنته إلا أنه لا يكون عادة و لن يكون أبدا طريقا إلى تحقق نصرته و إقامة دولته لمخالفة ذلك لسننه الاجتماعية وهدايته القرآنية في أسباب قيام الدول وأسباب سقوطها .
إن الدعوة الإسلامية المعاصرة بجماعاتها وتجمعاتها وعلمائها ودعاتها تملك من الطاقات والإمكانات ما لم يتوفر للحركات الإنسانية الإصلاحية الأخرى كالثورة الفرنسية والثورة الأمريكية والثورة الروسية …الخ كما













