رؤية في تحولات الحركة الإسلامية المعاصرة في مصر
د. طارق عبد الحليم
تتبعت باهتمام بالغ - كما تتبع المهتمون في أنحاء العالم الإسلاميّ - الحوار الدائر على صفحات "المنار الجديد" , والذي أثاره الدكتور عصام العريان , حين علّق على ما كتب الأستاذ كمال حبيب عن "الحركة الإسلامية المعاصرة .. رؤية من الداخل" , وما أضافه الأستاذ كمال حبيب إلى الحوار بمزيد بيان في المسألة تحت عنوان "الحركة الإسلامية .. من أسر التاريخ إلى آفاق المستقبل" . ولمّا كنت ممن شهد هذه الحقبة من الزمان شهوداً فعّالاً ؛ فقد رأيت أنه من الإثم أن أكتم شهادة عندي من الله , فشهدت بما عرفت , وأقررت بما شاهدت ووعيت , من أحداث تلك الحقبة المتميزة في تاريخ الحركة الإسلامية , وأقصد بها السبعينات من هذا القرن . وكنت قد أنهيت دراستي الجامعية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات , كما كنت - ومَن زاملني في هذه الحقبة - ممن شغف بالقراءة حبّاً , فالتهمنا الكتب التهاماً , ولم نغادر مجالاً من مجالات البحث إلا وخضنا غماره , وفتَّقنا أسراره , ثم أراد الله - سبحانه - بعظيم فضله , وواسع مِنَّته أن نتجه لدراسة الإسلام منذ أن انتبهنا إلى ما وقع من أحداث عامي 1965 و1966 , ومدلولاته على ما يعانيه الدين الحنيف على أيدي مَن يفترض أنهم يجلسون مجلس حُماته ، ورُعاة شأنه .
شاركت - وإخوة لي - في الكثير من الأحداث التي عصفت بالساحة الإسلامية , والساحة المصرية بشكل خاص , منذ مظاهرات عام 1968 , إلى ما بعد حادثة مقتل السادات , وبداية انغلاق ما يُفترض أنه كان نافذة يتسرب منها نسيم الحرية للعمل الإسلاميّ في خلال السبعينات . وقد كانت مشاركتي بالقلم واللسان , فكتبت عدداً من الكتب التي نُشرت في مصر وخارجها إِبَّان هذه الفترة من الزمان , كما شاركت في توجيه عددٍ غير قليل من الشباب الذي كان متشوِّفاً للعلم , مقبلاً على دينه بصفاء ورغبة حقيقية في التغيير.وما أطلت بذكر هذه الخصوصيات إلا ليطمئن القارئ أنني أتحدث من واقع مَن عايش هذه الأحداث , وشارك فيها إلى غاية أعماقها , فشهادتي شهادة رؤية عين , لا شهادة سماع أو نقل .
وبداية , أؤكد ما قرره الأستاذ كمال - في مقاله الثاني - من أنه على الرغم من أهمية دراسة الأحداث التي كوَّنت نسيج الماضي , فإنه يجب أن نحذر من التمادي في دراستنا للماضي حتى تصبح من قبيل الشغف بالعلم الأكاديميّ , الذي لا ينبني عليه عمل , ولا يقود إلى رؤية لمستقبل ؛ إذ إنه لا فائدة للماضي إن لم يوجه المستقبل , ويقود خطاه . وقصارى الأمر أن نصبح نحن مادة دراسية لأبناء الجيل القادم , يعكفون على دراسة ما انشغلنا به , وما شغلنا عن التقدم والعمل له .وسنبني شهادتنا هذه على مناقشة بعض ما قاله الباحثان في هذه المسألة , ثم على بيان نقطة نحسب أنها لم تنلْ بعد ما تستحق من البيان فيما كتب الأستاذ كمال , على الرغم من الإشارة إلى أحد مركباتها العقَدية في مقاله الأخير , وهي : لماذا ازْوَرَّ مَن ازْوَرَّ عن حركة "الإخوان المسلمون" ؟ , وما هو الذي أدى إلى أن ينقسم فيهم الناس بين موافق ومخالف ؟ !.
أولاً : مناقشـة مقالَتَيْ "الحركة الإسلامية" :
على الرغم من إقرارنا بأن عنوان دراسة الأخ الأستاذ كمال أعمّ مما اندرج تحتها من شواهد , وإقرارنا بأنه كان من المنطقيّ أن يذكر حركة "الإخوان المسلمون" , ولو كتواجد تاريخيّ لا تزال تنبض فيه الحياة , فإننا لا نملك إلا أن ننبه إلى أن ما خلص إليه د.عصام العريان - من أن دراسة الأستاذ كمال حبيب إنما اقتصرت على اتجاه واحد - تقريباً - وهو ما سماه "الاتجاه الثوري" - هو ظلم للبحث والباحث على السواء , رغم محاولته التخفيف من هذا التعميم المجانِب للصواب بكلمة " تقريباً" . فإن الأستاذ كمال قد تعرض في مقاله الأول إلى الكثير من الاتجاهات التي عملت على الساحة الإسلامية مثل "السلفيون" ممثلين في اتجاه أسامة عبد العظيم , واتجاه الألباني ومحمد بن إسماعيل , ثم اتجاه التكفير , والتبليغ والدعوة , وختم هذا الفصل بقوله : "هذه هي أهم الاتجاهات التي مثَّلت الحركة الإسلامية في السبعينات" . والقارئ المدقق يدرك أن الدراسة إنما قصدت التركيز على ما طرأ على الحركة الإسلامية من أفكار تمثلت في اتجاهات حركية , أو ما كان من حركات إسلامية لا تتمتع بشعبية كبيرة حتى ذلك الحين , ولكنها لم تقصد مسحاً للساحة الإسلامية يستقصي اتجاهاتها كافة , حتى ما كان من ذكره لجماعة التبليغ والدعوة التي نشطت نشاطاً غير عادي في أيام الشيخ إبراهيم عزت , فكان نجمها إلى صعود في هذه الفترة . ثم ما ذهب إليه الأستاذ كمال حبيب من أن الحركة الإسلامية قد تأثرت - بشكل أساسي عميق - بفكر الأستاذ سيد قطب وشيخ الإسلام ابن تيمية , وأضيف من عندي إلى القائمة المفكر الأستاذ المودودي فيما كتبه في العقيدة وأصول الحكم كالمصطلحات الأربعة وغيره , ومؤلفات الشيخ محمد بن عبدالوهاب وأبنائه فيما كتبوا في بيان التوحيد الخالص من الشرك والبدع , أقول ما ذهب إليه الأستاذ كمال حبيب هو عين الصواب , الذي رأيناه وعاشرناه , بل هو ما مر بنا كأبناء للحركة في السبعينات , حيث كان كتابَيْ المعالم والظلال , ثم ما دوّنه ابن تيمية من آراء عقَدية تمثل فكر أهل السنة والجماعة دون شغب أو خلط , كاقتضاء الصراط المستقيم , والعقيدة الواسِطية , والصارم المسلول , وغير هذا من مؤلَّفات يعرفها مَن اضطلع على فكر هذا المجدِّد العظيم , كانت هذه الكتب هي الغذاء العقلي والروحي لأبناء الحركة الإسلامية في تعدديتها , ولدى مَن لم يكبل نفسه بإسار فكر معين , أو ممن تشبَّع بفكر الإخوان , وما حملته دعوتهم من نزعات إرجائية أسفرت عن نفسها -بوضوح تام - في كتاب "دعاة لا قضاة" المنسوب للأستاذ الهضيبي (رحمة الله عليه) .وما دار حوله ردّ الأستاذ الدكتور العريان إنما هو ما يدندن به الإخوان من أن حركتهم هي "الحركة الأم" ! , وأنها هي التي يجب أن تقود العمل , وأن يخضع لها سائر المجتهدين من الاتجاهات كافة لسبقها التاريخيّ , ولما تعرّض له أبناؤها ومنتسبوها من تعذيب , والله يشهد أن كِلا الأمرين غير معتبر شرعاً ؛ فالسبق التاريخي لا معول عليه سلباً ولا إيجاباً , وتعرُّض الإخوة من منتسبي الإخوان للتعذيب هو أمر بينهم وبين الله - سبحانه - فهو وحده الذي يجزي كل نفس بما تسعى , وليس هذا بدليل على صحة القول أو سلامة الطريق أو سداد المنهج .
والحقيقة التي لا يماري فيها امرؤ - فيه بقية من إنصاف - أن حركة الإخوان قد أصابها ما أصابها في ت صوراتها الفكرية واجتهاداتها الحركية , مما أدى إلى تغيير خريطة الحركة الإسلامية من أُحادية التوجه - تحت مظلة الإخوان - إلى التعددية الواسعة التي تشمل ما شئت من اتجاهات من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين , لا يكاد يجمعها إلا مخالفة الإخوان في مذاهبهم لسبب يختلف باختلاف الرؤية الخاصة بالمخالف .
و سنحاول - فيما يأتي من قول - أن نتتبَّع ما صَاحَبَ ظهور حركة الإخوان من عوامل , كان لها أثر حاسم في توجيه فكر مؤسسها حسن البنا - رحمة الله عليه - ونبين ما تلا ذلك من مراحل كان فيها وفاء أبناء الجماعة لمؤسسها أعمق من ولائهم للصواب والبحث عن الحق فيما تجدد من أمور ووقائع ! . لماذا ازْوَرَّ مَن ازْوَرَّ عن حركة "الإخوان المسلمون" ؟ : كان صدى سقوط الخلافة هائلاً على مستوى الفرد وعلى مستوى الدول التي كانت تشكّل تلك الخلافة العريضة الممتدة إلي عرض قارات ثلاث في البعد المكاني , والي عمق أربعة عشر قرناً في البعد الزماني . وكان ذلك نتيجة عمل دائب متواصل من القوى الصليبية التي اصطنعت الماسونية حيناً واللادينية (العلمانية) حيناً آخر , وأسفرت بوجهها أحياناً ؛ لتصرع قوى الإسـلام المادية بتقسيمه ودحره , وقواه المعنوية ببث السموم في عقائده وثوابته الفكرية , بل وجندت بعض أبنائه ممن انخدعوا ببريق الحضارة الغربية كرفاعة رافع الطهطاوي وخير الدين التونسي .ولم يستسلم العالم الإسـلامي لتلك الكارثة مرة واحدة , بل إن الأقرب أن يقال إنها أصابت منه عصباً أساسياً , ولكن بقيت - مع ذلك - شعلة الحياة متقدة فيه , فقد قام الكثير من أبنائه بالبكاء والنحيب على ما كان , وتمثَّل ذلك في شعر شعرائهم وأدب أدبائهم قُبيل العشرينات وبعدها , يقول أحمد شوقي في مناسبة تنحية السلطان عبد الحميد
سل يلدزاً ذات القصور هل جاءها نبأُ البـدور
لو تستطيـع إجابــة لبكتك بالدمـع الغزير
ويقول حافظ - في نفس المناسبة - :
لا رعى الله عهدها من جـدود كيف أمسيت يا ابن عبد المجيد
كنت أبكي بالأمس منك فمـا لي بِتُّ أبـكي عليك عبد الحميد
كان الشعور إذاً يتأجج بحب الإسلام , واحترام الخلافة , وتقدير أهمية دور اجتماع المسلمين , وعلى الرغم من اختلاط ذلك بمفهوم الوطنية عند العديد من الكُتاب والمفكرين - كما يذكر الدكتور محمد محمد حسين (رحمة الله عليه) فقد "كانت العاطفة الدينية إذن غالبة مسيطرة , وكان الدين والوطنية توأمان" (الاتجاهات الوطنية , 1/61) . وكان إلى جانب هذا التيار وجهتان لا يتعلقان بموضوعنا كبير تعلُّق , وإنما أردنا أن نذكرهما لتتم صورة ما تفاعل في بلادنا في تلك الآونة ؛ لينتج ما نعيشه اليوم من أحداث , هذان الاتجاهان هما : الاتجاه الوطني أو القومي , الذي يدعو إلى الاجتماع على رابطة الوطن أو العرق دون غيرهما , كما دعا إليه أحمد لطفي السيد الذي أطلقوا عليه : "أستاذ الجيل " ! , وثانيهما: الاتجاه اللاديني الذي نما وترعرع تحت ظل الاتجاه السابق بما دعا إليه من حرية على النظام الغربي الديموقراطي, والتي إنما عني بها "حرية الهجوم على الدين ونشر الإلحاد"! , وتولى كِبر هذا الاتجاه سلامة موسى بشكل سافر , وطه حسين بشكل مستتر , وغيرهما ممن نحا مَنْحاهما فيما بعد .أمر آخر لا يصح إغفاله في هذا المقام , وهو محاولات عدد من حكام المسلمين وملوكهم أن يدعو إلى إعادة الخلافة وتوليها بأنفسهم , كما فعل الملك فؤاد ملك مصر والسودان بشكل غير مباشر , وما دعا إليه البعض من ترشيح الملك الحسين بن علي , وما كان من أمر مؤتمر الخلافة من قبل مصر والأزهر بشكل خاص , مما جعل أمر سقوط الخلافة يبدو في أذهان الكثيرين وكأنه أمر عارض لن يفتأ أن ينتهي , وأن تعود الأمور إلى نصابها مرة أخرى.كذلك فإن هناك عاملاً آخر لعب دوراً مهماً في تشكيل هذه المرحلة , وهو وجود الاحتلال الأجنبي في بلاد المسلمين بخيله ورَجله , ومحاولاته الدائمة لخلق الشقاق بينهم , وتشتيت شملهم , إما بشكل مباشر أو بتجنيد مَن خلع الربقة منهم ؛ ليكون داعية لهم على أبواب جهنم , يفتن المسلمين , ويغمِّي عليهم أمر دينهم , مما أضاف غمة إلى غمة , واضطراباً إلى اضطراب .
المزيد