صرخة وطن 2

أكتوبر 16th, 2008 كتبها  محمد المصري نشر في , ملف بلدي

صرخة وطن ….حمادة عبد اللطيف

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم .

لا أدرى كيف أتكلم؟ وعما أتكلم ؟

أتكلم عما جرى وحدث لي وأنا أشاهد أولاد ضحية مدرسة الجزيرة حمادة عبد اللطيف وهم يتحدثون عن إهانة والدهم أمام أعينهم ومعاملته معاملة لا آدمية وأكثر من حيوانية ،وتساءلت هل نحن في مصر أم في تل أبيب ؟! .

وتذكرت القصة القديمة …تلك القصة الأليمة .

قصة محاكم التفتيش العلمانية التي تجرى فرمانتها على من خالف كفرها .

القصة الأليمة قصة الحاكم الطاغية والبطش المسلح والجريمة .

وتذكرت دساتيرهم التي لا ترعى ولا تحترم أي قيمة للإنسان .

وتذكرت حمادة عبد اللطيف الحرّ في دنيا العبيد .

وتذكرت وأنا أكتب لعل الله يغفر لنا تقصيرنا  … تذكرت هذا الجزء من قصيدة هاشم الرفاعي وهي قديمة ولكن وقائعها ما زالت حاضرة أليمة .

أما حكايتنا فمن لون الحكايـــات القديمــــة
تلك التي يمضي بها التاريخ دامية أليمــــة
الحاكم الجبار والبطش المسلح والجريمـــة
وشريعة(الظالمين ) لم تعترف بالرأي أو شرف الخصومــة
ما عاد في تنورها لحضارة الإنسان قيمـــة
الحـــــرُ يعـــرف ما تريــــد المحكمــــــــة
وقُضاتـــــــــه سلفـــــــــاً قــــــــد ارتشفــوا دمه
لا يرتجي دفعاً لبهتان رمـــــــــاه به الطغـــــــــاة
المجرمون الجالسون على كراسي القضـــــــــاة
حكموا بما شاءوا وسيق أبوك في أغلالـــــــــــه
قد كان يرجو رحمـــة للنـــــــاس من جــــــــلاده
ما كان يرحمه الإلــــــــه يخون حب بـــــــــــلاده
لكنه كيـد المُدِل بجنـــــــــــده وعتــــــــــــــــاده
المشتهى سفك الدمـــاء على ثــــــــــرى رواده
كذبوا وقالوا عـــن ب

المزيد


صرخة وطن ….حمادة عبد اللطيف

أكتوبر 16th, 2008 كتبها  محمد المصري نشر في , ملف بلدي



رؤية في تحولات الحركة الإسلامية في مصر

أكتوبر 3rd, 2007 كتبها  محمد المصري نشر في , ملف بلدي

رؤية في تحولات الحركة الإسلامية المعاصرة في مصر

د. طارق عبد الحليم

تتبعت باهتمام بالغ - كما تتبع المهتمون في أنحاء العالم الإسلاميّ - الحوار الدائر على صفحات "المنار الجديد" , والذي أثاره الدكتور عصام العريان , حين علّق على ما كتب الأستاذ كمال حبيب عن "الحركة الإسلامية المعاصرة .. رؤية من الداخل" , وما أضافه الأستاذ كمال حبيب إلى الحوار بمزيد بيان في المسألة تحت عنوان "الحركة الإسلامية .. من أسر التاريخ إلى آفاق المستقبل" . ولمّا كنت ممن شهد هذه الحقبة من الزمان شهوداً فعّالاً ؛ فقد رأيت أنه من الإثم أن أكتم شهادة عندي من الله , فشهدت بما عرفت , وأقررت بما شاهدت ووعيت , من أحداث تلك الحقبة المتميزة في تاريخ الحركة الإسلامية , وأقصد بها السبعينات من هذا القرن . وكنت قد أنهيت دراستي الجامعية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات , كما كنت - ومَن زاملني في هذه الحقبة - ممن شغف بالقراءة حبّاً , فالتهمنا الكتب التهاماً , ولم نغادر مجالاً من مجالات البحث إلا وخضنا غماره , وفتَّقنا أسراره , ثم أراد الله - سبحانه - بعظيم فضله , وواسع مِنَّته أن نتجه لدراسة الإسلام منذ أن انتبهنا إلى ما وقع من أحداث عامي 1965 و1966 , ومدلولاته على ما يعانيه الدين الحنيف على أيدي مَن يفترض أنهم يجلسون مجلس حُماته ، ورُعاة شأنه .

شاركت - وإخوة لي - في الكثير من الأحداث التي عصفت بالساحة الإسلامية , والساحة المصرية بشكل خاص , منذ مظاهرات عام 1968 , إلى ما بعد حادثة مقتل السادات , وبداية انغلاق ما يُفترض أنه كان نافذة يتسرب منها نسيم الحرية للعمل الإسلاميّ في خلال السبعينات . وقد كانت مشاركتي بالقلم واللسان , فكتبت عدداً من الكتب التي نُشرت في مصر وخارجها إِبَّان هذه الفترة من الزمان , كما شاركت في توجيه عددٍ غير قليل من الشباب الذي كان متشوِّفاً للعلم , مقبلاً على دينه بصفاء ورغبة حقيقية في التغيير.وما أطلت بذكر هذه الخصوصيات إلا ليطمئن القارئ أنني أتحدث من واقع مَن عايش هذه الأحداث , وشارك فيها إلى غاية أعماقها , فشهادتي شهادة رؤية عين , لا شهادة سماع أو نقل .

وبداية , أؤكد ما قرره الأستاذ كمال - في مقاله الثاني - من أنه على الرغم من أهمية دراسة الأحداث التي كوَّنت نسيج الماضي , فإنه يجب أن نحذر من التمادي في دراستنا للماضي حتى تصبح من قبيل الشغف بالعلم الأكاديميّ , الذي لا ينبني عليه عمل , ولا يقود إلى رؤية لمستقبل ؛ إذ إنه لا فائدة للماضي إن لم يوجه المستقبل , ويقود خطاه . وقصارى الأمر أن نصبح نحن مادة دراسية لأبناء الجيل القادم , يعكفون على دراسة ما انشغلنا به , وما شغلنا عن التقدم والعمل له .وسنبني شهادتنا هذه على مناقشة بعض ما قاله الباحثان في هذه المسألة , ثم على بيان نقطة نحسب أنها لم تنلْ بعد ما تستحق من البيان فيما كتب الأستاذ كمال , على الرغم من الإشارة إلى أحد مركباتها العقَدية في مقاله الأخير , وهي : لماذا ازْوَرَّ مَن ازْوَرَّ عن حركة "الإخوان المسلمون" ؟ , وما هو الذي أدى إلى أن ينقسم فيهم الناس بين موافق ومخالف ؟ !.

أولاً : مناقشـة مقالَتَيْ "الحركة الإسلامية" :

على الرغم من إقرارنا بأن عنوان دراسة الأخ الأستاذ كمال أعمّ مما اندرج تحتها من شواهد , وإقرارنا بأنه كان من المنطقيّ أن يذكر حركة "الإخوان المسلمون" , ولو كتواجد تاريخيّ لا تزال تنبض فيه الحياة , فإننا لا نملك إلا أن ننبه إلى أن ما خلص إليه د.عصام العريان - من أن دراسة الأستاذ كمال حبيب إنما اقتصرت على اتجاه واحد - تقريباً - وهو ما سماه "الاتجاه الثوري" - هو ظلم للبحث والباحث على السواء , رغم محاولته التخفيف من هذا التعميم المجانِب للصواب بكلمة " تقريباً" . فإن الأستاذ كمال قد تعرض في مقاله الأول إلى الكثير من الاتجاهات التي عملت على الساحة الإسلامية مثل "السلفيون" ممثلين في اتجاه أسامة عبد العظيم , واتجاه الألباني ومحمد بن إسماعيل , ثم اتجاه التكفير , والتبليغ والدعوة , وختم هذا الفصل بقوله : "هذه هي أهم الاتجاهات التي مثَّلت الحركة الإسلامية في السبعينات" . والقارئ المدقق يدرك أن الدراسة إنما قصدت التركيز على ما طرأ على الحركة الإسلامية من أفكار تمثلت في اتجاهات حركية , أو ما كان من حركات إسلامية لا تتمتع بشعبية كبيرة حتى ذلك الحين , ولكنها لم تقصد مسحاً للساحة الإسلامية يستقصي اتجاهاتها كافة , حتى ما كان من ذكره لجماعة التبليغ والدعوة التي نشطت نشاطاً غير عادي في أيام الشيخ إبراهيم عزت , فكان نجمها إلى صعود في هذه الفترة . ثم ما ذهب إليه الأستاذ كمال حبيب من أن الحركة الإسلامية قد تأثرت - بشكل أساسي عميق - بفكر الأستاذ سيد قطب وشيخ الإسلام ابن تيمية , وأضيف من عندي إلى القائمة المفكر الأستاذ المودودي فيما كتبه في العقيدة وأصول الحكم كالمصطلحات الأربعة وغيره , ومؤلفات الشيخ محمد بن عبدالوهاب وأبنائه فيما كتبوا في بيان التوحيد الخالص من الشرك والبدع , أقول ما ذهب إليه الأستاذ كمال حبيب هو عين الصواب , الذي رأيناه وعاشرناه , بل هو ما مر بنا كأبناء للحركة في السبعينات , حيث كان كتابَيْ المعالم والظلال , ثم ما دوّنه ابن تيمية من آراء عقَدية تمثل فكر أهل السنة والجماعة دون شغب أو خلط , كاقتضاء الصراط المستقيم , والعقيدة الواسِطية , والصارم المسلول , وغير هذا من مؤلَّفات يعرفها مَن اضطلع على فكر هذا المجدِّد العظيم , كانت هذه الكتب هي الغذاء العقلي والروحي لأبناء الحركة الإسلامية في تعدديتها , ولدى مَن لم يكبل نفسه بإسار فكر معين , أو ممن تشبَّع بفكر الإخوان , وما حملته دعوتهم من نزعات إرجائية أسفرت عن نفسها -بوضوح تام - في كتاب "دعاة لا قضاة" المنسوب للأستاذ الهضيبي (رحمة الله عليه) .وما دار حوله ردّ الأستاذ الدكتور العريان إنما هو ما يدندن به الإخوان من أن حركتهم هي "الحركة الأم" ! , وأنها هي التي يجب أن تقود العمل , وأن يخضع لها سائر المجتهدين من الاتجاهات كافة لسبقها التاريخيّ , ولما تعرّض له أبناؤها ومنتسبوها من تعذيب , والله يشهد أن كِلا الأمرين غير معتبر شرعاً ؛ فالسبق التاريخي لا معول عليه سلباً ولا إيجاباً , وتعرُّض الإخوة من منتسبي الإخوان للتعذيب هو أمر بينهم وبين الله - سبحانه - فهو وحده الذي يجزي كل نفس بما تسعى , وليس هذا بدليل على صحة القول أو سلامة الطريق أو سداد المنهج .

والحقيقة التي لا يماري فيها امرؤ - فيه بقية من إنصاف - أن حركة الإخوان قد أصابها ما أصابها في ت صوراتها الفكرية واجتهاداتها الحركية , مما أدى إلى تغيير خريطة الحركة الإسلامية من أُحادية التوجه - تحت مظلة الإخوان - إلى التعددية الواسعة التي تشمل ما شئت من اتجاهات من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين , لا يكاد يجمعها إلا مخالفة الإخوان في مذاهبهم لسبب يختلف باختلاف الرؤية الخاصة بالمخالف .

و سنحاول - فيما يأتي من قول - أن نتتبَّع ما صَاحَبَ ظهور حركة الإخوان من عوامل , كان لها أثر حاسم في توجيه فكر مؤسسها حسن البنا - رحمة الله عليه - ونبين ما تلا ذلك من مراحل كان فيها وفاء أبناء الجماعة لمؤسسها أعمق من ولائهم للصواب والبحث عن الحق فيما تجدد من أمور ووقائع ! . لماذا ازْوَرَّ مَن ازْوَرَّ عن حركة "الإخوان المسلمون" ؟ : كان صدى سقوط الخلافة هائلاً على مستوى الفرد وعلى مستوى الدول التي كانت تشكّل تلك الخلافة العريضة الممتدة إلي عرض قارات ثلاث في البعد المكاني , والي عمق أربعة عشر قرناً في البعد الزماني . وكان ذلك نتيجة عمل دائب متواصل من القوى الصليبية التي اصطنعت الماسونية حيناً واللادينية (العلمانية) حيناً آخر , وأسفرت بوجهها أحياناً ؛ لتصرع قوى الإسـلام المادية بتقسيمه ودحره , وقواه المعنوية ببث السموم في عقائده وثوابته الفكرية , بل وجندت بعض أبنائه ممن انخدعوا ببريق الحضارة الغربية كرفاعة رافع الطهطاوي وخير الدين التونسي .ولم يستسلم العالم الإسـلامي لتلك الكارثة مرة واحدة , بل إن الأقرب أن يقال إنها أصابت منه عصباً أساسياً , ولكن بقيت - مع ذلك - شعلة الحياة متقدة فيه , فقد قام الكثير من أبنائه بالبكاء والنحيب على ما كان , وتمثَّل ذلك في شعر شعرائهم وأدب أدبائهم قُبيل العشرينات وبعدها , يقول أحمد شوقي في مناسبة تنحية السلطان عبد الحميد

سل يلدزاً ذات القصور               هل جاءها نبأُ البـدور

لو تستطيـع إجابــة                لبكتك بالدمـع الغزير

ويقول حافظ - في نفس المناسبة - :

لا رعى الله عهدها من جـدود        كيف أمسيت يا ابن عبد المجيد

كنت أبكي بالأمس منك فمـا           لي بِتُّ أبـكي عليك عبد الحميد

كان الشعور إذاً يتأجج بحب الإسلام , واحترام الخلافة , وتقدير أهمية دور اجتماع المسلمين , وعلى الرغم من اختلاط ذلك بمفهوم الوطنية عند العديد من الكُتاب والمفكرين - كما يذكر الدكتور محمد محمد حسين (رحمة الله عليه) فقد "كانت العاطفة الدينية إذن غالبة مسيطرة , وكان الدين والوطنية توأمان" (الاتجاهات الوطنية , 1/61) . وكان إلى جانب هذا التيار وجهتان لا يتعلقان بموضوعنا كبير تعلُّق , وإنما أردنا أن نذكرهما لتتم صورة ما تفاعل في بلادنا في تلك الآونة ؛ لينتج ما نعيشه اليوم من أحداث , هذان الاتجاهان هما : الاتجاه الوطني أو القومي , الذي يدعو إلى الاجتماع على رابطة الوطن أو العرق دون غيرهما , كما دعا إليه أحمد لطفي السيد الذي أطلقوا عليه : "أستاذ الجيل " ! , وثانيهما: الاتجاه اللاديني الذي نما وترعرع تحت ظل الاتجاه السابق بما دعا إليه من حرية على النظام الغربي الديموقراطي, والتي إنما عني بها "حرية الهجوم على الدين ونشر الإلحاد"! , وتولى كِبر هذا الاتجاه سلامة موسى بشكل سافر , وطه حسين بشكل مستتر , وغيرهما ممن نحا مَنْحاهما فيما بعد .أمر آخر لا يصح إغفاله في هذا المقام , وهو محاولات عدد من حكام المسلمين وملوكهم أن يدعو إلى إعادة الخلافة وتوليها بأنفسهم , كما فعل الملك فؤاد ملك مصر والسودان بشكل غير مباشر , وما دعا إليه البعض من ترشيح الملك الحسين بن علي , وما كان من أمر مؤتمر الخلافة من قبل مصر والأزهر بشكل خاص , مما جعل أمر سقوط الخلافة يبدو في أذهان الكثيرين وكأنه أمر عارض لن يفتأ أن ينتهي , وأن تعود الأمور إلى نصابها مرة أخرى.كذلك فإن هناك عاملاً آخر لعب دوراً مهماً في تشكيل هذه المرحلة , وهو وجود الاحتلال الأجنبي في بلاد المسلمين بخيله ورَجله , ومحاولاته الدائمة لخلق الشقاق بينهم , وتشتيت شملهم , إما بشكل مباشر أو بتجنيد مَن خلع الربقة منهم ؛ ليكون داعية لهم على أبواب جهنم , يفتن المسلمين , ويغمِّي عليهم أمر دينهم , مما أضاف غمة إلى غمة , واضطراباً إلى اضطراب .

المزيد


العلاقة بين الفقر والتخلف الاقتصادي

يوليو 26th, 2007 كتبها  محمد المصري نشر في , ملف بلدي

إشكالية العلاقة بين الفقر والتخلف الاقتصادي في المفهوم الإسلامي
مصطفى محمود محمد عبد العال عبد السلام
الكثير منالكُتَّاب لا يفرق بين الفقر والتخلف رغـم وجـود فوارق جوهـرية بينهما؛ إذ إن هناكبعض الدول المتـقدمـة يـوجـد فـيها فـقـراء وهـو ما يعتبر دليلاً هاماً على سوءتـوزيع الدخـل القـومـي. ورغـم هذا لا توصف بأنها دولة فقيرة أو دولة متخلفة. وبالمثـل هـناك دول الجـنوب يوجـد فـيها أغنـياء كثــيرون غــير أن ذلك لا ينــفيحقـيقة كونـها دولاً فقـيرة أيضاً. إن وجود فقر في دولـة غـنية لا يجعلنا نعتبر هذهالدولة متخلفة؛ والعكس صحيح.
ويهتم هذا البحثبدراسة الفَرْق بين الفقر والتخلف؛ مع التركيز على مقاييس التخلف غير متجاهلينلمقاييس الفقر في الفكر الاقتصادي التقليدي، ثم معرفة الفروق الجوهرية بين الفقروالتخلف ومقاييس التخلف في الاقتصاد التقليدي. ويتعرض البحث أخيراً لمعرفة الفرقبين الفقر والتخلف في المفهوم الإسلامي.
أولاً: الفرق بينالفقر والتخلف، وكيفية قياس التخلف في الاقتصاد التقليدي:
التخلف الاقتصاديـ مفهومه ـ كيفية قياسه:
في البداية يجبأن نشير إلى أن التخلف الاقتصادي ظاهرة مركبة متعددة الأبعاد؛ ومعنى ذلك أنها ظاهرةتتفاعل في إيجادها جميع جوانب المجتمع بدرجة أو بأخرى حيث إن التخلف الاقتصادي لايوجد في مجتمعٍ ما بمفرده متعايشاً مع تقدم سياسي واجتماعي، وإنما يوجد التخلفالاقتصادي وسط تخلف سياسي واجتماعي وثقافي؛ ومن ثم فإن توفير نظام سياسي واجتماعيوثقافي رشيد يمكن أن يحقق مستوىً اقتصادياً متقدماً.
والتنميةالاقتصادية، وهي مطلب غالب الدول النامية، لا تتم في صورة أحادية؛ حيث إنها عمليةإنسانية شاملة تتطلب متغيرات اقتصادية وكذلك عوامل نفسية واجتماعية(1).
ومن ثَمَّ فإنالانصراف نحو التركيز على المتغيرات الاقتصادية وحدها دون أن نضع في الاعتبارالأهمية النسبية لباقي المتغيرات الأخرى الثقافية والاجتماعية والسياسية هو تشويهلحقيقة ومعنى التخلف الاقتصادي.
1 ـ مفهوم التخلفالاقتصادي:
لفظ (العالمالثالث) يطلق على الدول المتخلفة والتي تتمثل في الدول التي يقل متوسط الاستهلاكوالرفاهية المادية لسكانها عن البلاد المتقدمة؛ وذلك على الرغم من إمكان تحسينالأوضاع الاقتصادية فيها بوسائل معروفة وواضحة(1).
ومن خلال هذاالتعريف فإن مفهوم التخلف الاقتصادي يفترض وجود موارد كافية يمكن استغلالهاوالاستفادة بها، ولكن لا يتم استغلالها؛ ومن ثم فهذا التعريف يميز بين الدولالفقيرة التي تقل فيها الموارد والثروات. وقد تكون هذه الدول الفقيرة راغبة فيالتقدم، ولكن فقر إمكانياتها المادية يقعدها عن النمو. أما الدول المتخلفة فسببتخلفها لا يرجع إلى محـدوديـة الموارد الإنـتاجيـة كما هو في الدول الفقيرة بقدر مايرجع إلى الاستخدام الرديء للموارد الاقتصادية؛ وهذا الاستـخدام الرديء قـد يأتـيفي صورة إهمال الموارد تماماً أو الاستخدام الجزئي لها أو سوء استخدامها؛ كأنتستخدم في نشاط صحيح بنسبة مخطئة أو تستخدم في نشاط خاطئ من الأصل؛ هذا إلى جانبأسباب أخرى قد تأتي من خارج العملية الإنتاجية كالبيئة المحيطة بالعملية الإنتاجيةوآثار خصائصها السلبية عليها، وكذلك الآثار السلبية للعلاقات الاقتصادية الدوليةكالاستثمارات الأجنبية وطبيعة المنتجات المتبادلة.
والتخلفالاقتصادي ينشأ في بيئة مختلة اجتماعياً وحضارياً؛ حيث إن الدول المتخلفة اقتصادياًمتخلفة حضارياً أيضاً.
ومما سبق نخلُصإلى أن التخلف الاقتصادي ليس مرادفاً للفقر، وإنما هو خلل اقتصادي وحضاري واجتماعيساعدت على نشوئه عوامل عديدة. وتتميز الدول المتخلفة بوجود موارد ضخمة مع توفرإمكانيات بشرية ومادية لازمة للارتفاع بمستوى المعيشة؛ يرافق ذلك تخلف في طرائقالإنتاج والتنظيم الاجتماعي والتطبيقات الاقتصادية لاستغلال هذه الموارد ومن ثمالنهوض بالدولة المتخلفة والوصول بها إلى درجات عالية من النمو الاقتصادي.
2 ـ مقاييسالتخلف الاقتصادي:
استُخدمت في قياسظاهرة التخلف الاقتصادي وتحديد مداها ومستوى أو درجة التقدم أو التخلف بين الدولالمختلفة معايير متعددة.
فمثلاً: معيارمستوى متوسط نصيب الفرد من الدخل العام للدولة اتُّخِذ معياراً مناسباً للتفرقة بينالدول المتخلفة والدول المتقدمة وترتيب الدول المتخلفة بنسبة بعضها لبعض، ويعتبربعض الباحثين أن الدول المتخلفة هي التي يقل فيها متوسط دخل الفرد في السنة عنمقدار معين من الدولارات، أو أن الـدول الـنامـية لا يتـجاوز فيها دخل الفرد فيالسنة عـن رُبع متوسـط دخل الفرد الأمريكي(2).
كما تقسَّم دولالعالم المختلفة إلى مجموعات تبعاً لمستويات متوسطات الدخل، هذه المجموعات هي: الدول الشديدة التخلف، والمتخلفة نوعاً ما، والدول المتقدمة نسبياً، والدولالمتقدمة.
ويعتري هذاالمقياسَ قصور واضح؛ حيث لا يكفي وحده كمعيار دقيق للدلالة على الأوضاع الاقتصاديةومستويات المعيشة في الدول المتخلفة وطرق التوزيع فيها، كما أنه على الرغم منانخفاض مستويات الدخول الفردية في الدول النامية بصفة عامة إلا أن هناك من هذهالدول دولاً نفطية يزيد فيها متوسط دخل الفرد عن متوسط الدخل الفردي السائد في كثيرمن دول العالم تقدماً.
ولتلافي القصورفي هذا المقياسفإن بعض الاقتصاديين يرى أن يضاف إلى هذا المقياس بعض المقاييسالأخرى التي تعبر عن مستوى الاستهلاك في سلع أساسية وبعض سلع الرفاهية الاجتماعيةكالمياه والكهرباء والتلفزيون والمستوى التعليمي للسكان، ومستوى الرعاية الصحيةالمتوفرة لهم(3).
وهـذه جـوانبهامة توضح نواحيَ من معيشة السكان؛ إلا أنها لا تعبر عن كافة النواحي التي يتعينالتعرف عليها للحكم على مدى تقدم دولة أو تخلفها كإهماله لنواحي هامة كالإنتاجيةوالعمالة، ومستوى الأداء الإنتاجي والادخار والاستثمار، ومدى توفر المواردالإنتاجية للاقتصاد، وطبيعة استغلال الموارد المتاحة، ومدى التناسق بين قطاعاتومؤسسات الاقتصاد المختلفة.
وقد أدى ذلك إلىوضع أكثر شمولية للتفرقة بين الدول النامية والدول المتقدمة وهو مدى قدرة الدولةعلى توفير احتياجات السكان الاقتصادية والاجتماعية والبيولوجية والنفسية وغيرها منسائر الاحتياجات الإنسانية. ووفق هذا المعيار فإن «الدولة المتخلفة هي التي توفرلسكانها من احتياجاتهم قَدْراً أقل مما توفره الدول المتقدمة»(1).
إلا أنه معيارغير قابل للقياس في حد ذاته، ولا يوجد هناك طريقة لترجمته إلى مقياس عملي لتقديرمدى إشباع هذه الحاجات، ولعدم وجود معايير موضوعية لتقدير هذه الاحتياجات والتيتختلف باختلاف الأفراد والبيئات والفترات الزمنية وغيرها من عوامل أخرى عديدة،ولأنه أيضاً لا يبين الموارد المتاحة للمجتمع ومدى استغلال هذه الموارد وأساليب هذاالاستغلال أو تكلفته.
ونخلُص مما سبقإلى أنه من الصعب الوصول إلى تعريف جامع مانع لا يعتريه القصور لمقياس التخلفالاقتصادي، وليس معنى ذلك إسقاط أدلة هذه المعايير التي أبرزت درجات التخلف. ولكنما ينبغي الإشارة إليه هو أن هذه المعايير تتبع مدارس فكرية تختلف عن واقع الدولالمتخلفة، ولذا فإن هذه الدراسات التي تنبع من تلك المدارس عـادة مـا توصـي بعـلاجلهـذه المشــاكل مـن خـلال سيـاسـات وإســتـراتيـجيات إنمـائيـة قـد لا تناسب ظروفهذه الدول الـنامـية وحاجتها إلى وسـائـل معـينـة للعـلاج، أو أنها تفرض علــيهامــن خلال مؤســساتــها الاقتــصادية طرقــاً لا تتناسب مع بيئتها الاقتصادية، ولاتتفق مع قوميتها الاقتصادية، ومن ثَم تقـع فريـسة لحـالـة مـن التبـعـية الفكـريـةوالاقتـصاديـة.
ثانياً: الفرقبين الفقر والتخلف في المفهوم الإسلامي:
1 ـ المفهومالإسلامي للفقر:
الإسلام يرى أنالفقر هو: «عدم القدرة على الحصول على الاحتياجات الضرورية لعدم توفر أسباب العيشالكريم الرغد، وهو ما يعني العِوَز والتعرض للجوع والحرمان والإملاق»(2).
ومن ثَم فجهودالتنمية وعمارة الأرض في الإسلام تهدف إلى رفع مستوى المعيشة وتحسينه بانتظام بمايكفل توفير حد الكفاية لجميع الأفراد، أي إغناء كل فرد بحيث يكون قادراً علىالإنفاق على نفسه وعلى من يعول؛ وذلك تمييزاً له عن حد الكفاف الذي يعد الحد الأدنىللمعيشة.
ولا يقتصر توفيرحد الكفاية على ضرورات الحياة اليومية من مأكل ومشرب وملبس ومسكن، بل يمتد إلى مايلزم لتهيئة حياة كريمة للفرد مثل توفير الرعاية الطبية والتعليم الأساسي وسبلالزواج، أي كل ما يجعل الفرد يلحق بالمستوى المعيشي السائد في المجتمع.
والفقير فيالمفهوم الإسلامي هو من لا يملك قوت يوم وليـلة لقولـه - صلى الله عليه وسلم - : «مـن سـأل وعنده ما يغنيه؛ فإنما يستكثر من النار، فقيل: وما حد الغنى يا رسولالله؟ قال: شِبَعُ يوم وليلة» رواه أبو داوود(3).
2 ـ المفهومالإسلامي للتخلف الاقتصادي:
إن الناظر فيالقرآن الكريم والسنة النبوية وأفعال الصـحابة ليـدرك أن الإسـلام ينـظر إلىالتخـلف على أنه تراخٍ عن العمل، وتراخٍ في السعي في طلب الرزق وعمارة الأرض بشـكلفـعـال؛ فـإن الله قـد أعـطـى للإنسـان العديد من الـثـروات والنـعـم التـي لاتحصى، وطالبه بعمارة الأرض. يقـول ـ تعـالى ـ: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِوَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61] ، وإن الإسـلام يساعد الفقراء من مال الصدقة،ولا يساعد المتخلفين أو القاعدين عن العمل بغير عذر.
وهكذا فرقالإسلام بين الفقر والتخلف، واعتبر أن للفقير حقاً معلوماً في الزكاة وموارد بيت

المزيد