المنهجية في قراءة كتب أهل العلم
لفضيلة الشيخ
صالح بن عبد العزيز آل الشيخ
الحمد لله، الذي بعث محمدًا بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كلّه، وكفى بالله شهيدًا، وأشهد أنْ لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلّم تسليما مزيدًا.
أما بعد:
فأسأل الله جلّ وعلا لي ولكم العلم النافع، والعمل الصالح، والقلب الخاشع، والدعاء المسموع، اللّهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علّمتنا، وزدنا علمًا وعملاً يا أرحم الراحمين، ثم إني مسرورٌ بهذا اللِّقاء بالاخوة طلبة العلم، في هذا البلد المبارك، وبالشباب بعامة، لما بيننا من صلة ومحبة في الله وإنْ لم نلتق قبلُ، ولا شك أنّ العلمَ، من أقوى الروابط بين أهله، فطالب العلم لطالب العلم أخٌ وناصرٌ ووليٌّ ومحبٌ، فهم خاصة أهل الإيمان، وقد قال جلّ وعلا: {والمؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض}، ومن مقتضى الولاية، أنْ يحبه وأنْ ينصرهُ وأنْ يكون معه كما يحب أنْ يكون مع نفسه.
طلب العلم طريقٌ طويل، لا يكون إلاّ بترك للهو والشهوات، وإقبال جادٍ عليه، لأنّ الله جلّ وعلا، وصف وهو أصدق الواصفين، وأصدق القائلين، وصف ما أنزل على محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، بأنّه قول ثقيل، فقال جلّ وعلا: {إنّا سنلقي عليك قولاً ثقيلا}، والقول الثقيل هو ((الكتاب والسنة)) ولهذا لما قيل للإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة رحمه الله، في مسألة، توقف عن الإجابة فيها، قال القائلُ له: ((هذه مسألة سهلة، أو مسألة يسيرة))، فقال: ((لا تقل هذا فما في العلم صغر أو كَبُر شيءٌ يسير أو شيء سهل، لأنّ الله جلّ وعلا وصفه بأنه ثقيل: {إنّا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً})).
وهذا الفهم العظيم، هو أول درجات الصعود في طلب العلم، أنْ تفهم أنّ العلم كلّه ثقيل، فكل مسألة من مسائل العلم، تحتاج منك إلى إقبال بقلبٍ، وفهمٍ مستقلٍ، فمن قال هذه مسألة سهلة نمرّ عليها وعنها مرور الكرام، فإنّه لن يحصِّل العلم حتى يكون العلمُ عنده سواء، بكلياته و جزئياته، بقواعده وفروعه، بأصوله وتفريعاته، سواء من جهة العناية به، سواء من جهة تحصيله، وترديده وحفظه، وتثبيته فالعلم، إذا تركته تركك، وإذا أقبلت عليه أعطاك بعضه، كما هو معلوم في المقالة المشهورة: ((العلم إنْ أعطيته كلّك أعطاك بعضه، وإنْ أعطيته بعضك لم تدرك منه شيئا)).
وهذا واقع مجرب. هذه المحاضرة، عنونت: ((بالمنهجية في قراءة كتب أهل العلم))، وموضوعها مهم، لأنّ كثيرين قرءوا كتبًا متنوعةً، لكن تجيء الشكوى منهم، متواترة بأننا لم نحصِّل علمًا راسخا مقعدًا، لم نضبط العلم بحيث نطمئن إلى هذا العمر الذي بذلناه في العلم، وهذا تجده عند كثيرين؛ لأنهم قرءوا مدة طويلة وربما حضروا بعض الدروس عند أهل العلم، وربما كتبوا الكتابات أو البحوث أو ألّفوا، ولكن في قرارة نفسه يدرك أنّه لم يحصل من العلم ما به تتميز مسائله، وما به يتضح المُشْكلُ منه، فلهذا جاءت هذه المحاضرة، وكانت مهمة لأنه لابدّ من منهج مضبوطٍ للقراءة في كتب أهل العلم، ومن لم يسر في حياته كلّها على منهج منضبط يرجعُ إليه، فإنّه سيترك الطريق الواضح، وسيأخذ بالطرق المختلفة.
كتب أهل العلم، إذا نظرت إليها في هذا الزمن وجدتها تصل إلى عشرات الآلاف في الفنون المختلفة، فهل العلم كثير، بكثرة هذه الكتب؟
الجواب: ما وصفه وأجاب به الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه إذ قال: ((العلم نقطة كثرها الجاهلون))، يعني أنّ أصل العلم، الذي فقهه الصحابة رضوان الله عليهم قليل، هو فقه الكتاب وفقه أحاديث النبي صلّى الله عليه وسلّم، وهذا قليل بالنسبة إلى ما كَثُرَ في زمن علي رضي الله عنه من كثرة المسائل والتفريعات التي لا يحتاج إليها الناس، وكلّما ازداد الناس بعدًا عن الزمن الأول، احتاجوا إلى ازدياد العلم، أو ازدياد الكتب لأجل أنْ يفقهوا -كما قال العلم نقطة كثرها الجاهلون، فلأجل وجود الجهل وأهله كثر التأليف وكثر التصنيف، لأجل أنْ يبسط العلم لأهله، وبه أهله يهدون الجاهل ويرشدون الضال، كذلك إذا تقدمت في الزمن وجدت أنّ الكتب في أول زمان الإسلام قليلة، ثم تكثر شيئا فشيئا، وهذه الكتب تنوعت بتنوع العلوم والفنون، فأوّل ما دوِّن من الكتب، الحديث، هو أول ما دون بعد القرآن العظيم، دونت السنة، على اختلاف أنواع التدوين ما بين صحائف محدودة، إلى أشياء كثيرة، ثم تلاها تدوين التفسير عن ابن عباس رضي الله عنه كما هو معلوم في الصحيفة الصادقة التي رواها علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما، والتي قال فيها الإمام أحمد رحمه الله إنّ بمصر صحيفة في التفسير، يرويها علي بن أبي طلحة، لو رحَلَ رجل لها ما كان كثيرًا، وهذه الصحيفة صادقة صحيحة عن ابن عباس وإنْ لم يلق عليُّ بنُ أبي طلحةَ ابنَ عباس، كما هو معلوم، فهي مروية بالوجادة عن مجاهد عن ابن عباس، كما حرّره الحافظ ابن حجر أول التفسير من كتاب فتح الباري.
جاءت مصنفات في التوحيد -في العقيدة- لما ظهر أهل الفرق، لما ظهرت الفرق المختلفة من خوارج ومرجئة، جاءت الرسائل ومختصرات التصنيف إمّا في كتب أهل الحديث، وإما مفردة شيئا فشيئا، ثم توالى الزمان، حتى صار لك فنٍّ كتب كثيرة، وإذا أردنا أنْ نضبط المنهجية في قراءة كتب أهل العلم، فإننا نقسِمُ ذلك إلى قسمين:
الأول: منهجية عامة تصلح للضبط في قراءة أي نوع من كتب أهل العلم، سواءٌ أكان في العقيدة أمْ كان التفسير أم الحديث أم الفقه إلى آخر الفنون الأصلية، والمساعدة، فالعلوم الأساسية والعلوم الصناعية كلها ثمَّ ضوابط عامة يمكن أنْ تسير عليها في منهج واضح تضبط به العلم المنتشر في تلك الكتب، وثمَّ ضوابط خاصة بكل علم، التفسير له قواعدُ تحصل علمه، وله قواعد ضبط التفسير من حيث هو، الحديث كذلك، العقيدة كذلك، إلى آخر الفنون…
القسم الأول: الضوابط التي تصلح لجميع كتب أهل العلم نقدم لها بمقدمة، وهي أنّ العلم الشرعي ينقسم إلى قسمين، علم مقصود لذاته، وعلم مقصود لغيره، أما العلم المقصود لذاته فهو علم الكتاب والسنة، فقه كلام الله جلّ وعلا، وفقه حديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هذان العلمان هما المقصودان بالأصالة، وبهما يُمدَحُ أهل العلم، {يرفع الله الذين ءامنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات}، يعني الذين فقهوا عن الله جل وعلا مراده وعن الرسول صلّى الله عليه وسلّم مراده، علم الكتاب وعلم السنة فيه التوحيد، وفيه الحلال والحرامُ، فرجعَ الأمرُ إذًا إلى علمين، ألاَ وهما علم العقيدة، والتوحيد، وعلم الحلال والحرام، الذي هو الفقه، هذا العلمان التوحيد والفقه، مقصودان لذاتهما؛ لأنّه بالتوحيد يتحقق الإخلاص، وعبادة الله جلّ وعلا وحده دون ما سواه، والإيمان بأركان الإيمان حقّ الإيمان، وبالفقه يكون الامتثال في الأمر والنهي، لأنّ الله جل وعلا، جعل دينه أخبارا وأوامر ونواهي، فالتصديق بالأخبار، هو الاعتقاد، وامتثال الأوامر والنواهي، هو امتثال العمليات، كما قال جلّ وعلا: {وتمت كلة ربك صدقًا وعدلا}، صدقًا في الأخبار وعدلاً في الأمر والنهي، فإذًا العلمان المقصودان لذاتها في طلب العلم هما التوحيد والفقه، والمقصود لغيره من الفنون ما كان من العلوم الصناعية المختلفة، علوم العربية بعامة ليست مقصودة لذاتها، علم النحو علم الصرف، وعلم المعاني والبيان، والبديع، وعلوم البلاغة المختلفة، وعلوم الاشتقاق وهي ضمن الصرف، ومفردات اللغة، وأشباه ذلك، وكذلك أصول الفقه، أصول الحديث، السيرة، هذه كلّها مقصودة لغيرها، ليس طلبها مقصودًا لذاته، يعني أنّ طالب العلم إذا قرأ هذه الفنون فإنما يقرأها للتوصل إلى العلمين المقصودين، ألا وهما علم التوحيد وعلم الفقه، فقه الكتاب والسنة، فإذا رامَ أنْ يجعل الوسيلة غاية، فإنه لا يكون فاقهًا الكتاب والسنة، وإنّما يكون قام ربما بفرضٍ كفائي في تعلم وسيلة مساعدة لفقه الكتاب والسنة، هذا النوع بعامة
-العلم المقصود لذاته والمقصود لغيره- كتُبُهُ كثيرةٌ متنوعة كما قلنا هذه منهجية تشمل الجميع، فأول الضوابط في ذلك، أنْ تعلم أنّ كتب أي علم من العلوم تنقسم إلى كتب مختصرة، (متون)، وإلى متوسطة، وإلى منتهية، إلى شروح كبار، فأي علم من العلوم، التفسير، شروح الحديث بل الحديث نفسه، والفقه، والعقيدة، إلى آخر ذلك، كتبه ما بين مختصر ومطوّل، من رامَ المطول قبل المختصر، فقدَ منهجيةً مهمة، في استقرار الأصول، والمختصرات لها فائدة، وفائدتها تثبيت أصول العلم، والبناء كما هو معلوم يحتاج إلى أساس قبل تشييد ارتفاعه، فالمختصرات طريق للكتب المتوسطة، طريق للكتب المطوَّلة، فإذًا من لم يحكم المختصرات فلا يديمنّ النظر في المطوّلات، وإنما المطولات في أي فنٍّ من الفنون يُحتاج إليها في معرفة ما أشكل من المختصرات، فالمطولات بالنسبة للمختصرات، كالعلوم الصناعية بالنسبة للعلوم الأساسية، يعني أنّ ابتداء طالب العلم والمتوسط أيضا لا يكون بالكتب المطولات، فإذا لا يحسنُ أنْ نسمع من بعض طلبة العلم المبتدئين أنْ يقول قرأت كتاب فتح الباري، وقرأت المغني، قرأت المجموع شرح المهذب، قرأت المحلى، قرأت نيل الأوطار، إلى آخر ذلك، هذا لا يحسن؛ لأنّه وإنْ قرأ فسيؤول به الأمر إلى عدم التحصيل، سيكون ثمَّ معلومات متناثرة، في قلبه لا يجمعها زمام، ولا يربط بينها رابط، هنا لابدَّ إذًا كمنهجية في القراءة أنْ تبدأ بالمختصر، ثم المتوسط، ثم المطوَّل، في تأسيسك، لكن إنْ أردتَ مراجعةَ مسألة، فتراجعها في أيّ كتاب شئتَ، في المطول أو المتوسط أو غيره، لكن كتأسيس في طلب العلم، لابدّ من رعاية الاختصار، قبل المتوسط، قبل المطوَّل، وما أحسن صنيع الموفق ابن قدامة رحمه الله، إذ ألف في الفقه ما يمثل هذا المنهج، فألَّفَ مثلاً كتاب العمدة في الفقه، المعروف وهو كتاب مختصر، أطول منه قليلا المقنع وله منهج، أطول منه الكافي وله منهج، والمنتهي يقرأ المغني، وسمعت الشيخ العلامة عبد الرزاق عفيفي رحمه الله تعالى مرّة يقول: ((إنّ الموفق ابن قدامة رحمه الله سبق المدارس الحديثة، فجعل العمدة في الفقه للمستوى الابتدائي، والمقنع للمستوى المتوسط، والكافي للمستوى الثانوي، والمغني للمستوى الجامعي))، طبعًا بالنسبة إلى أهل العلم الذين يدركون هذه الكتب، وإلاّ فربّما قرأ بعض من في المستوى الجامعي الآن، العمدة ولم يدرك أكثره، فإذًا من المهم في المنهجية في القراءة، أنْ يكون ثمَّ تفريق ما بين التأسيس والاطلاع، وهذه مرة كلمة قلتها وسجلت وهي مهمة لو رُجِعَ إليها، وهي: ((الفرق ما بين العقد والملح في العلم))، العلم منه عُقَد يصار إليها ومنه ملح مساندة، فمن رام المُلح وترك عقد العلم، فإنّه لن يدرك بل سيكون عنده أخبار كثيرة ومعلومات أو ثقافة لكن لا يستطيع أنْ يتكلم بوضوحٍ في مسألة عقدية، أو في مسألة فقهية، فإذًا أول المنهج العام في قراءة كتب أهل العلم بعامة، أنْ يكون ثمَّ انتقال من المختصر إلى المطوّل وهذا يتفرّع بتفرع الفنون المختلفة.
الثاني: أنْ يكون القارئ منتبهًا إلى مذهب الإمام أو المؤلف، فالعلماء ألّفوا كتبًا ولكن ألفوها بحسب نزْعَةِ كلّ منهم، من جهة مذهبية، فمنهم من هو من الحنابلة، ومنهم من هو من الشافعية، ومنهم من هو من الحنفية، ومنهم من هو من المالكية، وكذلك منهم من صفى مشربه في السنة، ومنهم من صار عنده صواب كثير وغلط قليل في السنة، ومنهم من خلط سنة وبدعة إلى آخر ذلك، فمعرفة هذا المؤلِّف، والمُؤَلَّف، مهم قبل الإقبال عليه، وهذا لابدّ منه، لأنّه قد يتأثر القارئ، بمؤلف وهو لا يدري إلى أيِّ شيء نزع.
فمثلاً بعض طلبة العلم، يرجح دائما ما في (شروح كتب الحديث) على ما في الشروح المطولة في كتب الفقه، لأنّ شارح الحديث عندهم أكثرا استقلالا وأميل للاجتهاد من الذي ألَّف في الفقه، فينظر إلى أنّ ترجيح صاحب كتاب الحديث أوثق من ترجيح صاحب كتاب الفقه، هذا ليس صوابًا على إطلاقه، بل نجد أنّ شرّاح الحديث نزعوا في ترجيحاتهم إلى مذاهبهم، فمثلا، تجد أنّ الحافظ النووي في شرح مسلم رجَّح ما يرجحه الشافعية، وإذا دخل أيضا في استدلالٍ، وتطبيقٍ لأصول الفقه، فهو يطبق أصول الفقه الشافعية، فينظر الناظر إلى أنّه إذا قال في مسألة ما هذا الحديث صحيح، وهذه المسألة الراجح فيها كذا، لمجيء الحديث الصحيح بها، فيرجح من جهة ترجيح النووي، المنبني على صحة الإسناد، وهذا صحيح في كثير من المسائل، وغيرُ صحيح في بعض لهذا نجد أنّه رجح أشياء في مسائل الصواب خلافُها، لم؟
لأنّ صحة الإسناد، أو صحة الحديث، ليست كافية في الفقه، بل الأهم منها، أنْ ننظر في وجه الاستدلال من الحديث على المسألة وجه الاستدلال، يعني الاستنباط، كيف استنبط الحكم من المسألة، استنباط الحكم من الدليل، هذا يُرجع فيه إلى أي علم؟!
إلى أصول الفقه، الحكم بصحة الإسناد يرجع فيه إلى مصطلح الحديث وإلى علم الرجال، في كلا الأمرين المصطلح والرجال، وعلم أصول الفقه، هذه كلّها لها تبعات ولها خلفيات سابقة، فتجد أنّه رجّح صحة الإسناد لمذهبٍ له في الإسناد.
فمثلاً، تجدُ أنّه يرجح صحة الترجمة المعروفة ((عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه))، أو يرجح صحة ((بهز بن حكيم عن أبيه عن جده))، أو ما أشبه ذلك، وغيره قد ينازعه في ذلك، كذلك من جهة رجل، هل هو ثقة أم ليس بثقة، هل هو صدوق أم هو يهم، هل هو مقبولُ الرّواية في هذا الباب أم ليس بمقبول الرواية، هل هو مقبول الرواية عن هذا الشيخ أم ليس بمقبول الرّواية وهذا مما يدخل في علم علل الحديث.
المسألة الثانية: أصول الفقه إذا صح الإسناد، وصح الحديث، فكيف نستنبط الحكم من الدليل لابدّ من استخدام أصول الفقه فيأتي استخدام أصول الفقه في بعض الأحيان موافقا لمذهب المؤلف، فينظر الناظر ويقول هذه المسألة رجحها الحافظ ابن حجر، رجحها الحافظ ابن حجر بناءً على مذهبه في أصول الفقه، في
المزيد